ومثل هذه الأجرة والجعالة لا توصف بالصحة مطلقًا، ولا بالفساد مطلقًا بل يقال: هي صحيحة بالنسبة إلى المستأجر بمعنى أنه يجب عليه مال الجعل، والإجارة، وهي فاسدة بالنسبة إلى الأجير بمعنى أنه يحرم عليه الانتفاع بالأجرة، والجعل) [1] .
قلت: وهكذا تجد ابن تيمية يتفق مع الجمهور في تحريم الأجر على ما حرم لغيره، حيث حرم على المؤجر الانتفاع به، لكنه قضى له به وألزمه المستأجر بالنظر إلى أن المنفعة التي قام بها المؤجر كالحمل مثلًا الأصل أنها مباحة شرعًا، ولهذا قضى له بالأجر، لكن ما كان قصد المستأجر من هذه المنفعة (الحمل) المعصية اكتسبت التحريم لهذا العارض وهو آت من جهة قصد المستأجر، فبالنظر إلى هذا حرم الكسب على المؤجر لما في عمله من إعانة على المعصية، وهذا منزع حسن فإن مؤداه تحريم الإجارة والأجر في ما من شأنه الإعانة على المعصية، كما عليه الجمهور، لكن ذلك يلزم منه عدم القضاء للمؤجر بالأجر، وإن كان يحرم عليه.
المطلب الرابع: استخلاص الأدلة التي يفهم منها جواز العمل في الربا:
الناظر في أدلة العلماء الواردة في ذكر خلافهم فيما يعد من العمل معصية، والتي ربما فهم منها جواز العمل في الربا يجدها عقلية وهي [2] :
1 -أن الحمل ليس بمعصية بدليل جواز حمل الخمر للإراقة ونحوها.
2 -أن الحمل ليس من ضرورات الشرب إذ الشرب يحصل بفعل فاعل مختار فقطع نسبته عنه ـ يعني عن الحامل ـ إذ لم تقم المعصية بعين الحمل،
(1) اقتضاء الصراط المستقيم 2/ 546، 547.
(2) لبيان الأدلة انظر: شرح فتح القدير 8/ 127، المبسوط 16/ 38، الدر المختار 5/ 250، بدائع الصنائع 4/ 190.