وقد ألف أحد علماء التاريخ في العصر الحاضر كتابًا في أصول الرواية التاريخية، اعتمد فيه على قواعد مصطلح الحديث، واعترف (مع أنه مسيحي) (1) بأنها أصح طريقة، علمية، حديثة ، لتصحيح الأخبار ، والروايات .
هذا المنهج السليم ، والميزان الدقيق ، يقوم على أساس جليل، وهو الإسناد الذي قال فيه علماء هذا الفن من السلف (الإسناد من الدين ، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء) والقائل هو: عبدالله بن المبارك (2) ، والإمام أحمد رحمهما الله ، وقال شعبة: (كل علم ليس فيه أخبرنا وحدثنا فهو خل وبقل) (3) .
وقال يزيد بن واسع: (كل دين له فرسان، وفرسان هذا الدين أصحاب الإسناد) (4) .
وهذا الإسناد يقوم على قواعد أربع في الوصول إلى صحة الخبر:
أولًا: إسناد الخبر إلى قائله، بقول ابن سيرين فيما يرويه عنه الإمام مسلم في مقدمة صحيحه: (لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم ، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم) (5) .
ثانيًا: التوثق من الأخبار بالرجوع إلى قائلها إن كان حيًا، أو إلى الثقات الذين نقلوا عنه ، وذلك بالرحلة إليه ، أو طلب الكتابة منه بما صح لديه كما ثبت من رحلة جابر بن عبدالله إلى الشام ، وأبي أيوب إلى مصر لسماع الحديث (6) .
(1) - هو أسد رستم صاحب كتاب مصطلح التاريخ ، أنظر الدكتور مصطفى السباعي: السنة ومكانتها في التشريع ، طبعة المكتب الإسلامي الثانية: 107-108 .
(2) - صحيح مسلم: 1/15 المقدمة ، مرجع سابق .
(3) - ابن الأثير جامع الأصول: 1/109 ، مرجع سابق .
(4) - ابن الأثير جامع الأصول: 1/109 ، مرجع سابق .
(5) - صحيح مسلم: 1/13 المقدمة ، مرجع سابق .
(6) - أبو عمر يوسف بن عبدالبر: جامع بيان العلم وفضله ، الطبعة المنبرية 1398هـ - 1978م تصوير دار الكتب العلمية -بيروت- 1/93-94 .