فهرس الكتاب

الصفحة 659 من 5777

دروس من سورة يوسف عليه السلام

الرقاق والأخلاق والآداب

الفتن

عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري

المدينة المنورة

قباء

1-جمال يوسف عليه السلام ظاهرًا وباطنًا 2- يوسف في محنتي السرّاء والضراء

3-تحذير النبي من فتنة السراء

أما بعد:

فقد قال الله تعالى: ولما بلغ أشده أتيناه حكما وعلما وكذلك نجز ي المحسنين وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إ نه ربى أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إ نه من عبادنا المخلصين [يوسف:22-24] .

لقد نشأ يوسف الصديق عليه السلام في بيت العزيز بلغ أشده وهو في بيت العزيز أصبح شابا مكتمل الخلقة كامل العقل فآتاه الله الحكم والعلم وهذا كناية عن النبوة وقد أنعم الله عليه بهذه المزية العظيمة لأنه كان أهلا لها ولقد كانت من أعظم الأسباب لعصمته وسلامته من الذنب فبينما كان يوسف يتقلب بسبب الرق يتقلب في قعر دار الترف والفساد كان مع ذلك نورا في دلجة وأنموذجا للنقاء في مجتمع ملوث. لقد تحقق في يوسف الصديق نوران نور الخلقة وكمالها ونور النبوة وجلالها فقد أوتي يوسف شطر الحسن كما أخبر بذلك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم [1] أي أن الحسن كله قسم نصفين فنصف لسائر الخلق ونصف أوتيه يوسف الصديق وحده. فتعلق به قلب امرأة العزيز لكنه تعلق آثم معلق بأكدار المعاصي وقاذورات الآثام. لم تشاهد امرأة العزيز في يوسف من حسن يوسف إلا جانبا واحدا وهو الحسن الجسدي ولم تبصر من جماله إلا جانبا واحدا وهو جمال الظاهر فلما أن راودته عن نفسها ودعته إلى فعل الفحشاء تجلى لها الجانب الأخر من الحسن والجمال في هذا الشاب إنه حسن الباطن وجمال النفس ونقاء السريرة فقد كان يوسف من المحسنين أخلص عبوديته لله كان مخلصا لربه فكان مخلَّصا من ربه فعصمه عاصمان: عاصم التقوى ومخافة الله تعالى التي تلجم اندفاع الغريزة وتضبط انجماح النفس، وعاصم النبوة بجلالها وبركتها فإذا بامرأة العزيز التي أذلها سعار الشهوة فأصبحت طالبة لا مطلوبة تعرض نفسها على الصديق ولكن في مستنقع المعصية إذا بها تواجه شموخ الطاعة وعزة العبودية المخلصة لله تعالى وصلابة التقوى التي ضربت سياجها حول الصديق عليه السلام فإذا بهذا الشاب الرائع الحسن المكتمل الخلقة والحيوية يرفض وبشموخ وعزة عرضها المهين المحفوف بكل أسباب الفتنة والإغراء لقد مرت بيوسف عليه السلام حتى الآن محنتان عظيمتان وخرج من كلتا المحنتين سليما طاهرا ونجى من كلتا المحنتين جميعا أما المحنة الأولى فهي اضطهاد إخوته له وتآمرهم عليه حتى ألقوه في ذلك الجب الموحش المهلك ونجاه الله تعالى وهذه المحنة هي محنة الضراء وهي على ما فيها من قهر وعذاب جسدي ونفسي أهون من المحنة الأخرى ألا وهي محنة السراء فتنة الإغراء ففي قصر العزيز أتيحت أمام يوسف كل وسائل المتعة كانت بين يديه منقادة إليه وهذه فتنة شديدة الوطأة على الإنسان قلما يقاوم الإنسان نداءها ويسلم من شرها وإغرائها فتنة السراء أشد فتكا في الناس من فتنة الضراء ولذلك كان سيدنا رسول الله محمدا صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه الكرام: (( ما الفقر أخشى عليكم - لا أخشى عليكم من فتنة الفقر - ولكنى أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من قبلكم فتتنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم ) ) [2] إن الدنيا إذا انبسطت على الناس وتوافر لهم الرخاء والعيش المترف الهنيء فإن ذلك مظنة في الغالب لغفلة القلوب عن الله تعالى وإعراض الناس عن الله وحينئذ فإن النتائج التي تترتب على ذلك أنهم يقعون في براثن الفساد العريض يغرقون في لجج الفساد العريض ولكن يوسف الصديق عليه السلام كان من المحسنين كان قمة في إيمانه كان في إيمانه محسنا والإحسان هو أن يعبد الله كأنه يراه وأن يستحضر في قلبه دائما أن الله سبحانه يراه هذا مقام المراقبة والمشاهدة هذا مقام يوسف الصديق عليه السلام ولذلك كوفئ على هذا الإحسان بالنبوة قال تعالى: فلما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين وكان يوسف الصديق عليه السلام من عباد الله المخلصين قال تعالى: كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين ومعنى ذلك أنه عليه السلام لما أخلص العبودية لربه تعالى جعله الله من عباده المخلصين أي المجتبين المصطفين الأخيار ولذلك واجهت امرأة العزيز جلال الطاعة من يوسف اصطدم بذل الشهوة من امرأة العزيز بعزة التقوى من يوسف فرجع الشيطان خاسئا وهو حسير يجلجل في أذنيه إعلان يوسف الصديق كأنه الأذان معاذ الله أي أعوذ بالله تعالى مما تعرضين علي ألوذ بجلاله تعالى من شر السوء والفحشاء معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون هذه ومضة من ومضات هذا الموقف الرائع العظيم الموقف الهام من مواقف هذه القصة الشريفة قصة الصديق يوسف عليه السلام وسنكمل الحديث عن هذا الموقف في الجمعة القادمة إن شاء الله وخاصة قوله: ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من آيات الذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

[1] صحيح مسلم (162) .

[2] البخاري:ك:الجزيه رقم (2988) .

أما بعد:

فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هديه صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

يا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال عز من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [الأحزاب:56] . وقال صلى الله عليه وسلم: (( من صلى علي واحدة صلى الله بها عليه عشرا ) ) [1] اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبى بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبي السبطين علي وعن بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

[1] صحيح مسلم (408) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت