الرقاق والأخلاق والآداب
الكبائر والمعاصي
منصور الغامدي
الطائف
أبو بكر الصديق
-طبيعة المعركة بين الإنسان والشيطان - من وسائل الشيطان ومكايده الغناء بالآلات المحرّمة
خطورة الغناء ومفاسده حكمه
أما بعد:
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله ـ تعالى ـ، ومعرفة ما يحب من الأقوال والأفعال وتطبيقها، ومعرفة ما يكره والتباعد منه، وعلموا أن أجسادكم على النار لا تقوى وأن ملك الموت قد تخطاكم غيركم وسيتخطى غيركم إليكم فخذوا حذركم.
أيها الاخوة الكرام، إن المعركة بين إبليس وجنوده من الجن والإنس وبين المؤمنين دائمة لا تتوقف وإنها معركة نعيشها كل يوم، لا بل كل ساعة وكل دقيقة، لقد أقسم إبليس يوم أن لعنه الله وأهبطه إلى الأرض أن يشن حربا لا هوادة فيها وأن يجند لها كل من استطاع أن يغويه من عباد الله، وقد اتخذ لأجل ذلك وسائل وطرقا كاد بها بني آدم، فمن مكايد عدو الله ومصايده التي كاد بها من قل نصيبه من العلم والعقل والدين وصاد بها قلوب الجاهلين، سماع الغناء بالآلات المحرمة، الذي يصد القلوب عن القرآن ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان، فهو قرآن الشيطان والحجاب الكثيف عن الرحمن، وهو رقية الزنا واللواط، وهو رسول العاشقين الفسقة لينالوا ما يريدون، وهو سبيل تسلط الفسقة من الجن على الإنس، وهذا الغناء الذي أصبحت لا تكاد تجد من نجا منه إلا من عصم الله، بل لربما رأيت الأب يعلم طفله أو طفلته الغناء وألفاظه ويشجعهم على هذا الفعل الذميم مع الأسف الشديد، هذا الغناء قد جاء له في الشرع بضعة عشر اسما: هي اللهو، واللغو، والباطل، والزور، المكاء، والتصدية، ورقية الزنا، وقران الشيطان، ومنفث النفاق في القلب، والصوت الأحمق، والصوت الفاجر، وصوت الشيطان، ومزمور الشيطان، السُمُود، وهو الغناء بلغة حمير.
أسماؤه دلت على أوصافه، تبًا لذي الأسماء والأوصاف أما اسمه الأول: وهو اللهو، فقد جاء في قول الله ـ تعالى ـ: وَمِنَ ?لنَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ ?لْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ?للَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ وَإِذَا تُتْلَى? عَلَيْهِ ءايَـ?تُنَا وَلَّى? مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِى أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ.
قال ابن مسعود: والله الذي لا إله غيره هو الغناء، يرددها ثلاث مرات. وصح عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ، أنه الغناء، وبه قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ، وهؤلاء الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ الذين فسروا لهو الحديث بالغناء شهدوا الوحي والتنزيل، فهم أعلم الناس بكلام الله. أما كيف يكون الغناء ملهيا فأنت لا تجد أحدا غنى بالغناء وسماع آلاته، وتابع ما يصدر عن ذلك المغني أو تلك المغنية، إلا وفيه ضلال عن الهدى علما وعملا، وفيه رغبة عن استماع القرآن إلى استماع الغناء، بحيث لو عرض له سماع الغناء وسماع القرآن عدل عن هذا إلى ذاك، وثقل عليه سماع القرآن، وربما حمله ذلك إلى أن يسكت القارئ ويستطيل قراءته، ويستزيد المغني ويستقصر نوبته، وقد جاء رجل إلى ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: ما تقول في الغناء، أحلال هو أم حرام؟ فقال له: أرأيت الحق والباطل إذا جاءا يوم القيامة، فأين يكون الغناء؟ فقال الرجل يكون مع الباطل، فقال له ابن عباس: اذهب فقد أفتيت نفسك.
والغناء: رقية الزنى ومن أقوى جنوده، ففيه الدعوة إلى الموعد، والدعوة إلى الجلوس والخلوة مع المحبوب، والغرام والعشق والصداقة، والتأوه والتأسف لفراق المحبوب، والدعوة إلى التهتك والسفور وغير ذلك مما لا يخفى عليكم ضرره وفحشه وإسفافه، قال الفضيل بن عياض:الغناء رقية الزنى، وقال يزيد بن الوليد: يا بني أمية إياكم والغناء فإنه ينقص الحياء، ويزيد في الشهوة، ويهدم المروءة ،وإنه لينوب عن الخمر، ويفعل ما يفعل المسكر، فإن كنتم ولابد فاعلين فجنبوه النساء، فإن الغناء داعية الزنى.
والنساء هن أكثر من يتأثرن بالغناء من جهة الصوت والأنغام ومن جهة معنى الكلمات، وربما يورث ذلك أن تحب الفتاة ذلك المغني ومن ثم تجد صورته وأغانيه لا تفارقها، فأي فتنة في الدين أعظم من هذه؟ فلعمر الله، كم من حرة صارت بالغناء من البغايا.
والغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل، كما قال ذلك ابن مسعود ، فالغناء والقرآن لا يجتمعان في القلب أبدا لما بينهما من التضاد، فالقرآن ينهى عن اتباع الهوى، ويأمر بالعفة وترك الشهوات، وينهى عن اتباع خطوات الشيطان، والغناء يأمر بضد ذلك بل ويحسنه.
أليس الغناء يهيج النفوس إلى الشهوات، فيثير كامنها، ويزعج قاطنها، ويحركها إلى كل قبيح، أليس هو الذي يسوق النفوس إلى وصل كل امرأة وصبي ؟ فهو والخمر رضيعا لبان وفي تهييجهما على القبائح فرسا رهان، فإنه صِنْو الخمر ورضيعه ونائبه وحليفه وخدينه وصديقه، عقد الشيطان بينهما عقد الإخاء الذي لا يفسح، وأحكم بينهما شريعة الوفاء التي لا تنسخ، وأكثر ما يورث الغناء عشق الصور، واستحسان الفواحش.
اللهم جنبنا مقتك وغضبك وأسباب عقوبتك.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم...
الحمد لله رب العالمين، يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد:
فحذر نبينا من سماع الغناء واتخاذ آلات اللهو والمعازف، قال: (( ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ) )رواه البخاري [1] .
ومعنى يستحلون الحر أي: الزنا، والمعازف هي آلات اللهو كلها، ولا خلاف بين أهل اللغة في ذلك، ولو كانت حلالا لما ذمهم على استحلالها، ولما قرن استحلالها باستحلال الخمر والحرير.
وعن علي قال: قال رسول الله: (( إذا عملت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: إذا كان المغنم دولا، والأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وأطاع الرجل زوجته وعق أمه، وبر صديقه وجفا أباه وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، وشربت الخمور، ولبس الحرير واتخذت القيان، ولعن آخر هذه الأمة أولها فليرتقبوا ريحا حمراء وخسفا ومسخا ) ) [2] .
وعن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله: (( يكون في أمتي خسف وقذف، ومسخ، قيل: يا رسول الله متى؟ قال: إذا ظهرت المعازف، والقينات، واستحلت الخمرة ) ) [3] .
وقد أفتى الأئمة الأربعة بتحريم الغناء، فأما الإمام مالك ـ رحمه الله ـ فإنه نهى عنه وقال: إنما يفعله عندنا الفساق. وقال: إذا اشترى الرجل جارية فوجدها مغنية كان له أن يردها بالعيب.
وأما أبو حنيفة: فإنه يكره الغناء، ويجعله من الذنوب، وقد صرح أصحابه بتحريم سماع الملاهي كلها، كالمزمار، وصرحوا بأنه معصية، يوجب الفسق وترد به الشهادة.
وأما الشافعي فقد صرح أصحابه بتحريمه، ويرون أن منفعة الغناء بمجرده منفعة محرمة، وأن الاستئجار على الغناء باطل، وأن أكل المال بالغناء هو أكل مال بالباطل، كما لا يجوز لرجل بذل ماله للمغني، ويحرم عليه ذلك، وأنّ بذله في ذلك كبذله في مقابلة الدم والميتة، ويرون أن الزمر حرام، وإذا كان الزمر الذي هو أجف آلات اللهو حراما، فكيف بما هو أشد منه كالعود واليراع والكمان وغيرها.
وأما مذهب الإمام أحمد، فقال ابنه عبد الله: سُئل أبي عن الغناء؟ فقال: الغناء ينبت النفاق في القلب، لا يعجبني ثم ذكر قول مالك: إنما يفعله الفساق.
وأما سماع الغناء من المرأة الأجنبية أو الأمرد، فمن أعظم المحرمات وأشدها فسادا للدين.
أخي الكريم، يا من ابتلي في نفسه وفي بيته بهذه المعصية بادر بالتوبة فإن ربك غفور رحيم، هو القائل: نَبّىء عِبَادِى أَنّى أَنَا ?لْغَفُورُ ?لرَّحِيمُ ، بادر بالتوبة الصادقة، واعلم أن من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه، وأود أن أبعث رسالة شكر إلى أولئك الذين حفظوا أنفسهم وأهليهم من الحرام، وهجروا الخبيث مما عليه أهل الزمان، إنهم لهم السعداء حقا.
يا باغي الإحسان يطلب ربه ليفوز فيه بغاية الآمال
انظر إلى هدي الصحابة والذي كانوا عليه في الزمان الخالي
واسلك طريق القوم أين تيمموا خذ يمنة ما الدرب ذات شمال
تالله ما اختاروا لأنفسهم سوى سبل الهدى في القول والأفعال
القانتين المخبتين لربهم الناطقين بأصدق الأقوال
أهواؤهم تبع لدين نبيهم وسواهم بالضد في ذي الحال
وهم الأدلة للحيارى من يَسِرْ بهداهم لم يخش من إضلال
ألا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام...
[1] صحيح، صحيح البخاري: كتاب الأشربة، باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه، حديث (5590) .
[2] ضعيف، أخرجه الترمذي: كتاب الفتن - باب ما جاء في علامة حلول المسخ والخسف، حديث (2210) ، وقال: حديث غريب... والفرج بن فضالة قد تكلم فيه بعض أهل الحديث، وضعفه من قبل حفظه. وأخرجه أيضا ابن الدنيا في"ذم الملاهي" (ص34) ، والخطيب في تاريخ بغداد (3/158) ، قال الدارقطني: باطل، ميزان الاعتدال (3/345) ، قال العراقي: وفيه خرج بن نضالة، ضعيف. تخريج أحاديث إحياء علوم الدين ؟ (5/2033) ، وضعفه الألباني، ضعيف الجامع (608) .
[3] صحيح، أخرجه أحمد (5/259) ، والترمذي: كتاب الفتن، باب ما جاء في علامة حلول المسخ والخسف حديث (2210) ، والطبراني (5810) ، واللفظ له، قال الهيثمي في المجمع (8/10) : وفيه عبد الله بن أبي الزناد، وفيه ضعف، وبقية رجال إحدى الطريقين رجال الصحيح. وصححه الألباني، السلسلة الصحيحة (2203) .