الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد
القرآن والتفسير, مساوئ الأخلاق
عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري
المدينة المنورة
قباء
الفرار بالنفس من دواعي الحرام - خطر المرأة الفاسدة - ضعف الحياء والغيرة من صفات المترفين الخطبة 2: التحذير من وسائل الإعلام العالمية""
أما بعد: فقال الله تعالى: واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدا الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءًا إلا أن يسجن أو عذاب أليم قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين [يوسف:25-29] .
في هذه الآيات من قصة يوسف عليه السلام مسائل ودروس وعبر:
أولها: في قوله تعالى: واستبقا الباب أي تسابقا إلى الباب كل منهما يريد أن يدركه ويلحقه قبل الأخر, يوسف الصديق يريد أن يلحق الباب لينفذ بجلده وينجو بنفسه وعرضه, وامرأة العزيز تريد أن تدركه حتى تغلقه وتمنع يوسف من الخروج, فهذه الجملة القرآنية إضافة إلي ما فيها من براعة وبلاغة وطي لمواقف عديدة من القصة فإنها تصور لنا ذلك الصراع المحموم بين نفسين بشريتين, نفس نقية طاهرة تفر من الدنس ونفس أخرى ملوثة تصر على الدنس , أما يوسف الصديق فكان حريصًا علي النجاة بنفسه من حفرة المعصية التي راودته امرأة العزيز علي التردي فيها, وأما تلك المرأة الآثمة الفاسدة فكانت مصممة علي التردي في حفرة المعصية وأن تجر يوسف الصديق معها.
وانطلقا نحو الباب مع الفارق الكبير بين الموقفين، وفي موقف يوسف الصديق درس لكل مؤمن ومؤمنة على كل واحد أن يفر بنفسه لا من المعصية والإثم فحسب بل حتى من دواعيهما ولذلك لما نهى الله تعالى عن الفاحشة عن الزنا قال: ولا تقربوا الزنا [الإسراء:32] . فنهى حتى عن مجرد القرب, فعلي من يريد أن يسلم من هذه الفاحشة القبيحة المقيتة أن يتحاشى الدواعي والأسباب التي يمكن أن تغريه وتحرضه على الوقوع في وحلها وحفرتها, في هذا العصر الحافل بالفتن والمغريات والدواعي التي تدعو إلى الانحلال والفساد وإلى ارتكاب الفواحش فإن علي كل مؤمن ومؤمنة أن يفروا إلى الله: ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين [الذاريات:50] .
المسألة الثانية: سرعة بديهة تلك المرأة الآثمة الفاسدة إذ لم تعقد المفاجأة لسانها وتشل تفكيرها عندما وجدت زوجها لدى الباب فإذا بها أمامه وجهًا لوجه وهي تسابق يوسف إلى الباب بل بادرت بإلقاء التهمة على يوسف بقولها: ما جزاء من أراد بأهلك سوءًا إلا أن يسجن أو عذاب أليم [يوسف:25] . وهكذا المرأة المتمردة, المرأة إذا تمردت وتوغلت في أوحال الإثم والفساد فإنها تكون غاية في الخبث والمكر والدهاء ولذلك ترى في هذه الآيات أن كيدها وصف بأنه عظيم بينما وصف كيد الشيطان في القرآن بأنه ضعيف فالمرأة إذا فسدت وتمرغت في وحل المعصية والإثم تكون أشد خبثًا وكيدًا من الشيطان نفسه, وأما تلك المرأة التي آمنت وصلحت واتقت ربها عز وجل فإنها تكون خير متاع الدنيا كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم [1] .
المسألة الثالثة: في هذه الآيات أن حياة الترف, الحياة اللاهية العابثة المترفة المتحللة من القيود والضوابط الأخلاقية والآداب الشرعية تصبغ أصحابها بصبغة قبيحة منتنة, إن من أسوأ نتائج تلك الحياة المترفة المتحللة ذلك الانفلات الأخلاقي والتحلل المعنوي الذي يصيب أصحابها حتى لا يبقى لديهم شيء من الغيرة والحشمة والحياء, هذا العزيز لما قام الدليل على إدانة امرأته وثبت لديه أنها هي التي راودت يوسف عن نفسه لم يحرك ساكنًا كان غاية ما قاله وفعله أن قال في الحال: يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين [يوسف:28] . هذا كل ما لديه من تأديب لامرأته الفاسدة الآثمة بل أكثر من ذلك لم يحاول إبعاد ذلك الشاب الممتلئ رجولة وحيوية ووسامة عن امرأته بل تركه حيث هو, ويوسف الصديق كان مغلوبًا على أمره كان مملوكًا مقهورًا وإلا لو كان الاختيار بيده لما تردد بالفرار بنفسه من تلك البيئة العفنة الملوثة لكنه صبر مقهورًا ومغلوبًا على أمره متحصنًا بما حماه الله به, أما هذا الموقف من العزيز فهو مثال لما يمكن أن تصنعه الحياة المترفة المسرفة المتحللة اللاهية العابثة لما يمكن أن تصنعه من الرجل حيث تقضى فيه على كل معاني الرجولة والغيرة والحياء, هذا الموقف من العزيز هو ما يسمى في الشرع بالدياثة وقد ذم الرسول صلى الله عليه وسلم الديوث وقال: (( لا يدخل الجنة ديوث ) ) [2] والديوث هو الذي يرضى على أهله بالسوء والفحشاء والدنس لا يغار عليهم ولا يحاول منعهم من السوء والفحشاء وحمايتهم من الدنس, فيا أيها المسلمون اتقوا الله عز وجل واحذروا من حياة الترف, احذروا من الحياة اللاهية العابثة المتحللة التي لا تضبطها الضوابط الأخلاقية ولا تقيدها الآداب الشرعية حتى أولئك الذين وسع الله عليهم وأنعم عليهم من رزقه فإن عليهم أن يحرصوا كل الحرص علي حماية أنفسهم وأهليهم وأولادهم من حياة الترف وأن يقصروهم علي الآداب الشرعية على الصلاة فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقًا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى [طه:132] .
فيا أيها المسلمون قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[1] مسلم (1467) .
[2] أحمد بنحوه (2/134) .
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلي آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضى الله عنه قال, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع ) ) [1] . وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة رضى الله عنه قال: (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قيل وقال ) ) [2] . وقيل وقال أي كثرة الحديث وكثرة الكلام بدون روية ولا تدبر ولا تثبت ولا تبين.
وفي سنن أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( بأس مطية الرجل زعموا ) ) [3] وهذه هي التي سماها بعض أهل العلم من المعاصرين"وكالة يقولون"فترى كثيرًا من الناس يتناقلون الأحاديث والإشاعات والأخبار بدون روية ولا تثبت وقد يسهمون بذلك بفت عضد المسلمين وضعضعة معنوياتهم وبث الرعب في قلوبهم فيخدمون بذلك دون أن يشعروا أهداف العدو, فإن العدو غاية ما يسعى إليه هو ضعضعة معنوياتنا وإلقاء الرعب في قلوبنا وإضعاف إيماننا, إن الحرب النفسية الآن لا تقل شراسة عن الحرب العسكرية, الحرب النفسية الآن محتدمة بين الأطراف كلها كما هو الشأن في الحرب العسكرية فكل الأطراف يستخدمون هذا النوع الذي هو الحرب النفسية لأنه سلاح هام وفي مثل هذه الظروف والمحن فإن هناك جهات مغرضة تنتهز هذه الفرصة للدس والتشويش بهدف زعزعة معنويات المسلمين وإضعاف إيمانهم وبث الرعب في قلوبهم, فعلى كل مسلم وعلى كل مسلمة أن يتحاشوا نقل شيء من الأخبار والشائعات أو المقالات أو التوقعات أو التحليلات إذا كانت مما يضعف معنويات المسلمين ويبث الرعب في قلوبهم, علينا جميعًا أن نتحاشى ذلك وأن نتثبت من الأخبار فإن من يتتبع الإذاعات الأجنبية اليوم ووسائل الإعلام العالمية يتحير ويتخبط في حيرته من تناقض الأخبار والتحليلات والتوقعات والمقالات ونحو ذلك من الوسائل الإعلامية وربما وقع فريسة لبعض تلك الجهات المغرضة الحاقدة المعادية, فعلى المسلم أن يمتثل لتوجيه النبي المصطفي صلى الله عليه وسلم لا يحدث بكل ما سمع, لا ينشر بين الناس كل ما يسمع وما يقرأ بل عليه أن يتحاشى نشر أي شائعة أو خبر أو تحليل أو نحو ذلك إذا كان فيه فت لعضد المؤمنين وإضعاف لمعنوياتهم وزعزعة لإيمانهم وبث للرعب في قلوبهم حتى ولو كان ذلك صحيحًا, المنافقون لا يفوتون مثل هذه الفرص يحرصون علي اغتنامها للتشويش على المسلمين ولإلحاق الضرر بهم وهذه خصلة فيهم ذكرها القرآن الكريم قال تعالى: وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به [النساء:83] . أي نشروه وبثوه ليلقوا الرعب في قلوب المؤمنين ويشوشوا عليهم ويربكوا صفوفهم ولو ردوه إلى الرسول وأولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم [النساء:83] . فاتقوا الله أيها المؤمنون فليحذر كل واحد منكم أن يكون إذاعة متنقلة للعدو يحقق أهدافه المعنوية دون أن يشعر.
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدى هديه صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله علي الجماعة ومن شذ شذ في النار واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.
يا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال عز من قائل: إن الله وملائكته يصلون علي النبي يا أيها الذين أمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما وقال صلى الله عليه وسلم: (( من صلى علي واحدة صلى الله بها عليه عشرا ) ) [4] اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبى بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبي السبطين علي وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.
[1] مسلم: المقدمة (5) .
[2] البخاري: ك: الزكاة (1407) .
[3] أبو داود: ك: الأدب (4972) .
[4] صحيح مسلم (408) .