الأسرة والمجتمع, الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد
الآداب والحقوق العامة, التربية والتزكية, قضايا المجتمع
عماد الدين علي أبو اليسر
القاهرة
نور الإسلام
1-تعريف النصيحة. 2- أهمية النصيحة. 3- مفهوم النصيحة لله تعالى. 4- كيف تكون النصيحة لكتاب الله تعالى. 5- بيان النصيحة لرسول الله. 6- النصيحة لعامة المسلمين.
أما بعد: روى مسلم في صحيحه أن رسول الله قال: (( الدين النصيحة ) )، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: (( لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامّتهم ) ).
أحبتي في الله، كلمة النصيحة من الكلمات التي يرتاح إليها السمع، وتطمئنّ إليها النفس، وتميل إليها المشاعر النقيّة؛ لأنها تهدف إلى الودّ والصلاح، وإلى ما ينفع الناس، يقولون: إنك نصحت القول لفلان، أي قصدت مصلحته ومنفعته.
وكان الصحابة الكرام رضي الله عنهم يبايعون الرسول على الصلاة والزكاة والنصيحة لكل مسلم، جاء ذلك في قول جرير بن عبد الله حينما قال: (بايعت رسول الله على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم) متفق عليه. وقال النبي فيما رواه عن ربّ العزّة جلّ وعلا: (( أحب ما تعبّدني به عبدي النصح لي ) ). وقال: (( إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له ) )، من هنا نجد أن النصيحة مهمّة جدًّا بين المسلمين، حيث إن رسول الله اهتم بها، وأمر بها وكأنها ركن من أركان الإسلام، ولُبّ الإسلام، وجوهر الإسلام.
فما معنى النصيحة لله تعالى؟ معنى النصيحة لله تعالى أن تراقب الله في السرّ والعلن، وأن تصون نفسك ـ أخي المسلم ـ عما لا يرضى الله، وعندما سُئِل أحد العارفين عن معنى النصيحة لله قال: إذا عُرِضَ عليك أمران أحدهما لله والآخر لنفسك ولدنياك قدمت ما هو لله على ما هو لنفسك ولدنياك.
ومتى أخلص المسلم الطاعة والعبادة لله، وصان نفسه عما يغضب الله؛ رزقه الله تعالى من حيث لا يحتسب، جاء ذلك في قول الله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا [الطلاق:2، 3] ، وقال تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق:4] ، وقال تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا [الطلاق:5] ، هذا معنى النصيحة لله تعالى.
أما معنى النصيحة لكتاب الله عز وجل فهي أن تقرأ كتاب الله عزّ وجلّ، وتتدبّر آياته، وتحسن الاستفادة بما جاء فيه من آداب وسلوك وهدى وعظات وبينات، كما قال الله تعالى: هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:138] . ومعنى النصيحة لكتاب الله عزّ وجلّ هي أن نحسن الاتباع، ونطبّق ما جاء في كتاب الله على أنفسنا وعلى من هم تحت ولايتنا، وأن نحسن الاستماع إليه بخشوع، كما قال الله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر:23] .
وقد وصف رسول الله أن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخَرِب، وأنه من دواعي الغِبْطة والسرور، إنّ رسول الله بَشّر الذين يجتهدون في تلاوة القرآن الكريم بأجر الملائكة الكرام، فقال: (( الماهر بقراءة القرآن الكريم مع الملائكة الكرام البررة ) )، كما بيّن لنا رسول الله أنّ الذي يقرأ القرآن وهو عليه شاق فله أجران.
ولم يكتف رسول الله بتعليم أصحابه تلاوة القرآن فحسب، بل كان يحب أن يسمعه من غيره، فعن عبد الله بن مسعود قال: أتاني رسول الله وقال: (( اقرأ عليَّ شيئًا من القرآن ) )، قال: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أنزل؟! فبدأت بسورة النساء حتى بلغت هذه الآية: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا [النساء:41] ، فنظرت إليه فإذا عيناه تذرفان بالدموع.
فهذا معنى النصيحة لكتاب الله، أما معنى النصيحة لرسوله فهو أننا جميعًا نؤمن أنّ محمد بن عبد الله هو رسول الله، نؤمن إيمانًا جازمًا وكاملًا أنه هو خاتم النبيين وإمام المرسلين. ومعنى النصيحة لرسوله أنّنا نتأسّى به، ونقتدي به في معاملاته وآدابه وسلوكه، كما جاء في كتاب الله عزّ وجل: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21] ، ومعنى النصيحة لرسوله أي أننا نُشهد الله عزّ وجل أن رسول الله قد بلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وأنه لم يترك لنا بابًا من أبواب الخير إلا ودلّنا عليه، وأمرنا بالدخول فيه، ولم يترك لنا بابًا من أبواب الشر إلا وحذّرنا منه، وأمرنا بالابتعاد عنه، فجزى الله رسول الله محمد بن عبد الله عن أمته خير الجزاء.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم فاستغفروه ثم توبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
أما بعد: مضت النصيحة لأئمة المسلمين وعامّتهم وهي أن يهتمّ كل مسلم بالنصيحة لأخيه المسلم، وذلك بما جاء بكتاب الله من هدى وبيّنات، وبما جاء بسنة رسول الله ، ولكن برفق ولين دون تعصّب أو غِلْظة، كما جاء في كتاب الله: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125] .
وإذا قام كل فرد منا بالنصح يصدق فينا قول الله تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104] ، ورسول الله أمرنا أن ننصح بما يرضي الله ورسوله، فقال: (( من أشار على أخيه بغير الحق فقد خانه ) )، فلابد للمسلم أن ينصح لأخيه بالحق حتى لا يكون خائنًا؛ لأنه إذا اؤتمن إنسان لابد أن يكون أمينًا على ذلك؛ لأن الله تعالى يقول: فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ [البقرة:283] .
وإليكم هذه القصة، ذهب شاب ليخطب إحدى البنات، فذهب إلى والدها فقال: أريد أن أتزوج ابنتك. فقال له: من تعرف؟ فقال له: أعرف بلال بن رباح وهو يعرفني. فذهب والد البنت إلى بلال فقال: أتعرف فلانًا؟ فقال: أعرفه، ولكنه لا يصلح للزواج. ظنّ الشاب أن بلالًا سيكتب عنه أشعارًا، ولكن بلالًا أشار على أخيه بالحق بأن هذا الشاب لا يصلح للزواج متمسّكًا بقول رسول الله: (( من أشار على أخيه بغير الحق فقد خانه ) ).
أيها الإخوة الأحباب في الله، لو أن النصيحة أُسْديت لمن هم بحاجة إليها، وأخذ ببعضها على الأقل لقلّت الأخطاء في حياة المجتمع، ولتجنّب المسلمون مشاكل كثيرة وفسادًا كبيرًا، والمُحْجِم عن إسداء النصيحة ورافضها لاشك أنهما آثمان، ويكفي أن النصيحة من سنن المرسلين، ومن أخلاق المؤمنين، ومن قَبِلَ النصيحة فقد فاز بالخير، ومن رفضها فقد أساء لنفسه.
ويا لها من نعمة عظيمة أن تهدي إلى أخيك نصيحة تكون بها سعادة الناصح والمنصوح، ويسود الحب بين الناس، ويعرفون أن هناك من يحب لهم الخير، ويتوارى العصاة خجلًا، وأولى الناس بالنصح الأهل والأقارب؛ امتثالًا لقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] .
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات...