فقه
الصلاة
ناصر بن محمد الأحمد
الخبر
النور
1-مقارنة بين صلاة الفجر في رمضان وفيما بعده من الأشهر. 2- فضائل صلاة الفجر. 3- حال السلف مع صلاة الفجر. 4- منزلة راتبة الفجر. 5- ظاهرة التخلّف عن الجماعة في صلاة الفجر. 6- علاج التخلّف عن الجماعة في صلاة الفجر.
أما بعد: وبعد ظلام الليل الحالك يتنفس الصبح بضيائه، ويرسل إلى الكون خيوط الصباح الأولى مؤذنًا ببدء يوم جديد، ويشهد الكون في تلك اللحظات المهيبة صراع النور والظلمة واعتراك الليل والنهار، ويبصر ميلاد يوم جديد، ويُقبل الفجر في زُهُوّه وبهائه يتهادى اختيالًا، مِلءَ عينيه أسرار وأخبار.
وفي هذا الوقت البديع المبارك يدوّي في سماء الكون النداء الخالد، نداء الأذان لصلاة الفجر، فتهتف الأرض كلها: الله أكبر الله أكبر، الصلاة خير من النوم. وتكون صلاة الفجر فاتحة اليوم في حياة المسلم، لكأنما يعلّم الإسلام أهله أن يبدؤوا كل أمر بطاعة الله والإقبال عليه والإنابة إليه، وكأنما هي شكر لله على نعمة الإصباح بعد الإظلام. ويبدأ وقت صلاة الفجر من ظهور الفجر الصادق الذي هو عبارة عن بياض ممتد من الشمال إلى الجنوب إلى طلوع الشمس، والسنة فيها التعجيل، فيصليها بغَلَس قبل الإسفار.
أيها المسلمون، ما من جديد سأذكره عن صلاة الفجر، ولكنها كلمات نُصْح أوجّهها لكم بعد رمضان عن هذه الشعيرة بالذات؛ لأنها قد ذُبِحت بالسكين من قبل كثير من المسلمين بعد رمضان.
إنك لو وازنت بين عدد المصلين هذه الأيام في صلاة الفجر وفي غيرها من الصلوات لرأيت عجبًا! هل لي أن أطالب نفسي وإياكم بأن يحصي كل فرد مقدار ما فاته من صلاته الفجر في جماعة منذ بداية شوال؟! هل حاولت إحصاء ذلك؟! كيف كانت النتيجة؟! أليست محزنة؟! وإذا كنت أدركت الفجر جماعة فهل لي أن أسأل عن سُنّتها القَبْلِية؟! فهل يسوغ لنا ويُقبَل منا مثل هذا التفريط؟!
أيها المسلمون، لقد سَمّى الله هذه الصلاة العظيمة: قُرْءانَ ?لْفَجْر، فقال سبحانه: أَقِمِ ?لصَّلَو?ةَ لِدُلُوكِ ?لشَّمْسِ إِلَى? غَسَقِ ?لَّيْلِ وَقُرْءانَ ?لْفَجْرِ إِنَّ قُرْءانَ ?لْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78] ، قال ابن كثير رحمه الله:"يعني صلاة الفجر". وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي قال: (( فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح ) )، يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: وَقُرْءانَ ?لْفَجْرِ إِنَّ قُرْءانَ ?لْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78] .
وهكذا تكون صلاة الفجر مجتمعًا للملائكة ومحفلًا من محافل الخير والطاعة والعبادة، لا يحضره إلا كل طاهر مطهر من الأبرار، يستحق أن يكون في ضيافة الرحمن، عن أبي أمامة عن النبي قال: (( من توضأ ثم أتى المسجد فصلى ركعتين قبل الفجر ثم جلس حتى يصلي الفجر كتبت صلاته يومئذ في صلاة الأبرار، وكتب في وفد الرحمن ) )رواه الطبراني بإسناد حسن، بل قد صح في الحديث عند أبي نعيم عن رجل من أصحاب النبي اسمه ميثم أنه قال: بلغني أن الملك يغدو برايته مع أول من يغدو إلى المسجد، فلا يزال بها معه حتى يرجع فيدخل بها منزله، وإن الشيطان ليغدو برايته إلى السوق مع أول من يغدو، فلا يزال بها معه حتى يرجع فيدخلها منزله.
وليست هذه فضيلة صلاة الفجر الوحيدة، بل قد تكاثرت النصوص بما لهذه الصلاة من فضائل، فهل تعلم ـ يا عبد الله ـ أن صلاة الفجر تعدل قيام الليل؟! روى مسلم في صحيحه عن عثمان بن عفان قال: سمعت رسول الله يقول: (( من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلّى الصبح في جماعة فكأنما صلّى الليل كله ) )، وروى مالك بسند صحيح أن عمر بن الخطاب فَقَدَ سليمان بن أبي حثْمة في صلاة الصبح، فمَرّ على الشِّفاء أم سليمان فقال لها: لم أر سليمان في الصبح! فقالت: إنه بات يصلي فغلبته عيناه، فقال عمر: لأن أَشْهد صلاة الصبح في جماعة أحب إلي من أن أقوم ليلة.
وهل تعلم أن صلاة الفجر وصية النبي والصحابة من بعده لأمة الإسلام؟! فعن رجل من النخع قال: سمعت أبا الدرداء حين حضرته الوفاة قال: أحدّثكم حديثًا سمعته من رسول الله ، سمعت رسول الله يقول: (( من استطاع منكم أن يشهد الصلاتين: العشاء والصبح ولو حبوًا فليفعل ) )رواه الطبراني في الكبير وهو حديث حسن.
وهل تعلم ـ يا أخي الحبيب ـ أن صلاة الفجر نور لصاحبه يوم القيامة؟! فعن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله: (( بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة ) )رواه ابن ماجه بسند حسن، وعند الطبراني بإسناد حسن عن أبي الدرداء عن النبي قال: (( من مشى في ظلمة الليل إلى المساجد لقي الله عز وجل بنور يوم القيامة ) ).
وهل تعلم أيضًا أن صلاة الفجر أمان وحفظ من الله لعبده؟! فعن سمرة بن جندب عن النبي قال: (( من صلّى الصبح في جماعة فهو في ذمة الله تعالى ) )رواه ابن ماجه بسند صحيح.
وهل تعلم أن أهل الفجر لهم وعد صادق بأن يروا ربهم عز وجل؟! ففي الصحيحين من حديث جرير بن عبد الله البجلي أن النبي قال: (( أما إنكم سترون ربكم كما ترون القمر لا تضامّون في رؤيته, فإن استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ) )، يعني صلاة العصر والفجر، ثم قرأ: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا [طه:130] .
ثم هل تعلم أن أهل الفجر في ذمة الله تعالى وجواره؟! فما ظنكم بمن كان في جوار الله تعالى؟! وأنتم ترون الناس يطمئنون ويأمنون أشد الأمن حين يكون أحدهم في جوار عظيم من عظماء الدنيا, فإن كان في جوار الله لهو أشد أمانًا وأعظم اطمئنانًا، ففي صحيح مسلم من حديث جُندَب بن عبد الله أن النبي قال: (( من صلّى الصبح فهو في ذمة الله, فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء, فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه, ثم يكبه على وجهه في نار جهنم ) ).
فيا عبد الله، أين أنت من هذه الفضائل العظيمة والتي واحدةٌ منها لكافية في أن تستيقظ وتقوم لتصلي مع المسلمين؟! فكيف إذَا أسمعتك فضائل أخرى؟!
هل تعلم أن صلاة الفجر ضمان للجنة؟! عن أبي موسى أن رسول الله قال: (( من صلّى البردين دخل الجنة ) )رواه البخاري ومسلم، والبردان هما الصبح والعصر. وهل يعمل المسلم في هذه الدنيا ـ لو كان صادقًا ـ إلاّ من أجل الجنة؟! فأين هو في صلاة الفجر وعنده هذا الضمان من النبي ؟!
وهل تعلم أن صلاة الفجر حاجز عن النار؟! وماذا يريد المسلم سوى النجاة من النار لو كان صادقًا؟! فعن أبي زهير عمارة بن رويبة قال: سمعت رسول الله يقول: (( لن يَلِج النار أحد صلّى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ) )يعني: الفجر والعصر. رواه مسلم.
أيها المسلمون، ولما كانت صلاة الفجر بهذه المنزلة العظيمة كان التفريط فيها جرمًا كبيرًا وغفلة غير يسيرة، قال ابن عمر رضي الله عنهما: (كنا إذا فقدنا الرجل في الفجر والعشاء أسأنا به الظنّ) ، وعن أبي بن كعب قال: صلى بنا رسول الله يومًا الصبح فقال: (( أشاهد فلان؟ ) )قالوا: لا، قال: (( أشاهد فلان؟ ) )قالوا: لا، قال: (( إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموها ولو حَبْوًا على الركب ) )رواه أحمد وأبو داود بسند حسن.
أيها المسلمون، لقد تعلّقت قلوب السلف رضي الله عنهم بهذه الصلاة لما علموا من جليل فضلها وسوء عاقبة التخلّف عنها، فكانوا أحرص الناس عليها، حتى لقد قال عبد الله بن مسعود: (ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يُؤتى به يَتَهَادَى بين الرجلين حتى يقام في الصف) . وها هو رسول الله نبي الأمة وهاديها يمرّ بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر، يقول: (( الصلاة يا أهل البيت، إِنَّمَا يُرِيدُ ?للَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ ?لرّجْسَ أَهْلَ ?لْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب:33] ) )رواه الترمذي. إنه حرص نبوي وتربية لابنته على أن تحرص على صلاة الفجر في وقتها.
وكان علي بن أبي طالب يمر في الطريق مناديًا: (الصلاة، الصلاة) ، يوقظ الناس لصلاة الفجر، وكان يفعل ذلك كل يوم. وحين اشتكى الإمام سعيد بن المسيب عينه قالوا له: لو خرجت إلى العقيق فنظرت إلى الخضرة لوجدت لذلك خفة، يدعونه للتنزه في ضواحي المدينة حيث الخضرة والجو الطليق، فقال لهم: فكيف أصنع بشهود العَتَمَة والصبح؟! وتزوج الحارث بن حسان في ليلة من الليالي فحضر صلاة الفجر مع الجماعة، فقيل له: أتخرج وإنما بنيت بأهلك الليلة؟ فقال: والله إن امرأة تمنعني من صلاة الغداة في جمع لامرأة سوء. وقام عبد الرحمن بن مهدي ليلة حتى جهد، فلما طلع الفجر رمى بنفسه على الفراش فنام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس، فقال: هذا مما جنى عليّ الفراش، فجعل على نفسه أن لا يجعل بينه وبين الأرض شيئًا شهرين. ومكث الإمام مدين بن أحمد الحميري دهرًا إلى حين وفاته لا تفوته التكبيرة الأولى من صلاة الصبح، ويمكث في مصلاه وهو على طهارة إلى أن يركع الضحى وربما جلس بعد ذلك. وبقي الشيخ الغرناطي نحوًا من عامين أو أزيد يخرج للصلوات الخمس يُهَادَى بين رجلين لشيء كان برجله حتى كان بعض أصحابه يقول: الغرناطي حجة الله على من لم يحضر الجماعة.
وكانوا يرون فَوْتَ صلاة الفجر في الجماعة خَطْبًا جَلَلًا يستحق العزاء. قال حاتم الأصم: فاتتني صلاة الجماعة، فعزّاني أبو إسحاق البخاري وحده، ولو مات لي ولد لعزّاني أكثر من عشرة آلاف؛ لأن مصيبة الدين أهون عند الناس من مصيبة الدنيا.
فأين نحن ـ معاشر الأحبة ـ من هدي من سبقونا؟ وهذا شيء يسير من أخبارهم.
أيها المسلمون، وبلغ من منزلة صلاة الفجر أن خُصّت راتبتها القبلية دون سائر الرواتب بالمحافظة عليها حضرًا وسفرًا، قال ابن القيم رحمه الله:"وكان رسول الله في السفر يواظب على سنة الفجر والوتر أشد من جميع النوافل دون سائر السنن، ولم ينقل عنه في السفر أنه صلى سنة راتبة غيرها"، وكان ابن تيمية رحمه الله يقول:"سنة الفجر تجري مجرى بداية العمل والوتر خاتمته". بل وصف راتبة الفجر بأنها خير من الدنيا وما فيها، وبأنها أحب إليه من الدنيا جميعًا، ولم يكن إلى شيء من النوافل أسرع منه إلى الركعتين قبل الفجر. فهذه منزلة النافلة فكيف بالفريضة يا عباد الله؟!
فيا معاشر المسلمين، إن من الظواهر التخلفَ عن صلاة الفجر في المسجد مع الجماعة، وقضاءها بعد فوات وقتها، وإنك لترى المسجد في الحي المزدحم يمتلئ في الصلوات كلها، حتى إذا جئت لصلاة الفجر ألفيته شبه خاوٍ ليس فيه إلا صفوف قليلة! وهذه ـ والله ـ بليّة يعجب لها المرء، كيف يفوّت المسلم على نفسه هذا الخير العظيم؟! كيف يهنأ بالنوم والناس في المساجد مع قرآن الفجر يعيشون، وإلى لذيذ خطاب الله يستمعون، وفي ربيع جناته يتقلبون؟! كيف يطيب له الفراش وأرباب العمل قد صفّوا أقدامهم في المساجد، بين سجود وركوع، وخشوع ودموع؟! كيف يحرم نفسه بركات الفجر المتنزلة وخيراته المتواترة؟! بل كيف يرضى المسلم أن يتلاعب به الشيطان فيبول في أذنه؟! عن أبي وائل عن عبد الله قال: ذُكِر عند النبي رجل، فقيل: ما زال نائمًا حتى أصبح ما قام إلى الصلاة، فقال: (( بال الشيطان في أذنه ) )رواه البخاري. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"واختُلِف في بول الشيطان فقيل: هو على حقيقته، وقيل: هو كناية عن سد الشيطان أذن الذي ينام عن الصلاة حتى لا يسمع الذكر، وقيل: معناه ملأ سمعه بالأباطيل، وقيل: هو كناية عن ازدراء الشيطان به، وقيل: معناه أن الشيطان استولى عليه واستخف به حتى اتخذه كالكنيف المعد للبول. وخُصّ البول لأنه أسهل مدخلًا في التجاويف وأسرع نفوذًا في العروق فيورث الكسل في جميع الأعضاء". وهذه معانٍ كيفما قلّبتها وجدت بعضها شرًا من بعض.
تُرى هل أدرك المتخلّف عن صلاة الفجر متعمّدًا أن فِعْلته أشنع من السرقة والزنا والقتل وغيرها من الموبقات؟! قال ابن حزم رحمه الله:"لا ذنب بعد الكفر أعظم من تأخير الصلاة حتى يخرج وقتها، ومن قتل امرئ مسلم بغير حق".
وهل علم هذا النائم عن صلاته أن من ترك صلاة واحدة عمدًا حتى يخرج وقتها فقد كفر عند بعض أهل العلم؟! وهل غفل هذا المضيع لجماعة الفجر عن قوله تعالى: فَوَيْلٌ لّلْمُصَلّينَ ?لَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:4، 5] ؟! وويل واد في جهنم لو سُيّرت فيه جبال الأرض لذابت من شدة حرارته. وهل نسي قوله تعالى: فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ?لصَّلَاةَ وَ?تَّبَعُواْ ?لشَّهَو?تِ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيًّا [مريم:59] ؟! وإضاعتها تأخيرها عن وقتها. أين هو من ذلك الحديث العظيم الرهيب الذي رواه البخاري في صحيحه والذي أخبر فيه النبي أنه أتاه آتيان فانطلقا به، فمروا على رجل مضطجع وآخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه، فيتهدهد الحجر ها هنا فيتبع الحجر فيأخذه، فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان ثم يعود عليه، فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى، فلما سَأل الملكين عن خبره قالا: أما الرجل الذي أتيت عليه يُثلغ رأسه بالحجر فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة.
وبعض الناس يتعمد ضبط المنبه على وقت العمل ولو كان وقت العمل في السابعة أو الثامنة، ولا يصلي الفجر إلا في هذا الوقت، وقد قال الشيخ العثيمين رحمه الله في هذا:"صلاته هذه غير مقبولة، ولا تبرأ بها ذمته، وسوف يُحاسَب عنها".
أيها المسلمون، وبعد هذا كله كيف نحمي أنفسنا من هذا الوعيد؟! فما غرك بربك وألهاك عن صلاة فجرك؟! أهو السهر أمام القنوات الفضائية أم على الأرصفة أم في الشواطئ والمنتزهات؟! ترى أي خير فاتك؟! وأي موت للقلب ابتليت به؟! فهل لك من عودة؟! وهل لك من رجوع؟! فإن المسجد يفتح أبوابه، وداعي الرحمن يدعوك، فأقبل ـ يا عبد الله ـ تكن من الفائزين.
ولعل أول خطوة في طريق العلاج استشعار أهمية هذه الصلاة وإدراك قيمتها، فلو شعر الإنسان بذلك وأدرك أنه يفوته بفوتها خير كثير لربما تحركت همته وانبعثت عزيمته كما تتحرك وتنبعث لكل محبوب لديه. وعليك بأذكار النوم ودعاء الله في الوتر أن توفّقك للقيام، وابتعد عن المعاصي جملة وتفصيلًا فإن المعاصي تقيّد المرء عن الطاعة، فإنها سلاسل وأغلال في عُنُق صاحبها تمنعه من العمل الصالح.
أسأل الله جل وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يعينني وإياكم على أنفسنا، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، أقول ما قلت، فإن كان صوابًا فمن الله وحده، وإن كان غير ذلك فمن نفسي والشيطان، والله ورسوله منه بريئان، وأستغفر الله إنه كان غفارًا.
أما بعد: وبعد ما سمعت ما سمعت ـ يا عبد الله ـ ألا تحب أن تكون من رجال الفجر؟! أولئك الرجال الذين ما إن سمعوا النداء يدوّي: (الله أكبر, الله أكبر, الصلاة خير من النوم) , هبّوا وفزعوا وإن طاب المنام, وتركوا الفرش وإن كانت وثيرة, مُلبّين النداء, فخرج الواحد منهم إلى بيت من بيوت الله تعالى وهو يقول: اللهم اجعل في قلبي نورًا, وفي لساني نورًا, واجعل في سمعي نورًا, واجعل في بصري نورًا, واجعل من خلفي نورًا, ومن أمامي نورًا, واجعل من فوقي نورًا. فما ظنكم بمن خرج لله في ذلك الوقت؟! لم تخرجه دنيا يصيبها, ولا أموال يقترفها, أليس هو أقرب إلى الإجابة؟! فيا لسعادة يعيشها حين لا ينفك النور عنه طرفة عين.
أيها الأحبة في الله، إن أهل الفجر لهم ثناء جميل, لا أقول: سطرته وسائل الإعلام باختلاف أشكالها, فليسوا بحاجة إلى أن ينشر لهم عمل, ولكنه ثناء أعظم وأجل, مسطّر في رقّ منشور, ثناء تكلم به الجبار جل جلاله, وحسبك بثناء من عند الله تعالى, الذي لا يزين مدحه إلا هو, ولا يشين ذمه إلا هو, فبشراكم ذلك الثناء يا أهل الفجر, قال الله تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28] ، وقال سبحانه: أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78] ، وفي الصحيحين أن النبي قال: (( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر, فيعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بكم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون ) ).
فماذا يقول ذلك الذي آثر فراشه معرضًا عن نداء ربه عز وجل؟! ماذا يقول وقد فوّت على نفسه ذلك الفضل العظيم؟! في حين تراه خلف سقط المتاع يلهث من صبحه إلى مسائه. ماذا يقول وهو يقيم الوقت الطويل في السهر الضائع وجلسات اللهو واللعب؟! فيا من فقدناك في صلاة الفجر, أرضيت أن تكون أسيرًا للشيطان والهوى؟! أرضيت أن يبول الشيطان في أذنيك؟! فلا يجعلها تسمع نداءً ولا تجيب فلاحًا، ثم هل ترضى أن يحضر الشيطان منزلك كل ليلة فيبيت معك حتى تصبح, وهو يراك فريسة اصطادها في كل يوم؟! فهلا عزمت من هذه الساعة أن تكون ضمن الركب المبارك أهل الفجر, لتحظى بفضائلهم, ولتنجو من الوعيد الشديد للذين ينامون عن فرائض الله تعالى.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين...