الصفحة 7 من 19

الذي يقرر أن الدراسات الصوتية نشأت في أحضان لغتين مقدستين هما العربية والسنسكريتية، وقد اعترف جورج مونين صراحة بجودة الدرس الصوتي عند العرب فقال (22) : (منذ القرن الثامن الميلادي كان علماء اللغة في البصرة يسعون إلى وصف لغتهم وصفًا صوتيًا، وسواء أوجدوا تلقائيًا علمًا للأصوات جديرًا بأن يذكرنا بالعلامة بانيني، أم أنهم اقتبسوا هذا العلم عنه، فتلك مشكلة على حدة، ولكن لا بد لنا -بادئ ذي بدء- أن نعترف بوجود هذا العلم في الأصوات وأنه علم فذ ممتاز) ، ثم أن عالمًا ألمانيًا محدثًا هو (شاده) جعل موضوع رسالته لنيل شهادة الدكتوراه (علم الأصوات عند سيبويه) وفي هذا دليل على قيمة كتاب سيبويه -وقد رجح فيه أن العرب لم يقتبسوا علم الأصوات من أحد، وأنه من وضعهم واستنباطهم خدمة للقرآن الكريم وأدائه (23) .

* على أنّ قضيتي الأصالة والسبق في درس العرب الصوتي، قد تبدوان على نحو أوضح إذا دققنا عند دراسات ابن جني خاصة وقفة تأمل وتدبر.

جـ-الصوتيات عند ابن جني

1 -اللغة أصوات:

عرّف ابن جني اللغة بقوله (24) (إنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم) ، وهو تعريف هام يستوقف الباحث اللغوي الحديث، ذلك أنه تعريف دقيق يذكر أبرز الجوانب المميزة للغة، فهو يؤكد أولًا الطبيعة الصوتية لها، ويذكر وظيفتها الاجتماعية في التعبير ونقل الفكر، كما يشير إلى اختلاف البنية اللغوية باختلاف المجتمعات الإنسانية، وهذه الجوانب الثلاثة تتناولها التعريفات الحديثة للغة (25) ، والذي يهمنا في هذا المقام أولها، فقد نظر ابن جني إلى اللغة على أنها أصوات أو لا تحمل دلالات يقوم بها التفاهم بين البشر حين يتخاطبون، وعرف أن الأساس في الظاهرة اللغوية النطق، وهو أساس تقوم عليه أكثر الدراسات المعاصرة. إذ تعنى بالكلام المنطوق أولًا، وتدرسه من جوانب أربعة سبق ذكرها أولها وأهمها الجانب الصوتي، أما الكتابة فترى أنها تأتي في الدرجة الثانية، وما هي إلا محاولة لتصوير المنطوق قد تنجح وقد تخفق.

*ويتصل بما نحن فيه نص نقع عليه عند ابن جني يستوقف النظر، وهو قوله (26) (ذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات كدوي الريح وحنين الرعد وخرير الماء وشحيج الحمار ونعيق الغراب وصهيل الفرس ونزيب الظبي ونحو ذلك، ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد، وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل) ، وهذا النص يتعلق بإحدى النظريات المعروفة في نشأة اللغة، هي نظرية المحاكاة Onomatopoeia التي تقول إن اللغة محاكاة لأصوات الطبيعة، ولم يعز ابن جني هذا القول إليه، إلا أن أحدًا لم يسبقه إلى ذكره، أضف إلى هذا أنه ركز القواعد التأسيسية لهذه النظرية في تراثنا العربي، فقلبها على أوجهها الممكنة، وجعل للمحاكاة مراتب أربعًا هي المحاكاة الصوتية أي تسمية الأشياء بأصواتها ومحاكاة هيكل اللفظ لجملة الدلالة ثم المحاكاة التعاملية أي تعامل دلالة الأصوات الفيزيائية ودلالة الهيكل الوزني، وأخيرًا التركيب السياقي (27) . ومن الواضح عناية ابن جني بهذه النظرية، بل إن الجملة الأخيرة في القول الذي سقناه هنا صريحة في بيان رضاه عنها، ولا تحتاج إلى تأويل.

*بقي أن نقول إن الكثير من الباحثين اللسانيين اليوم يرون أن الحديث عن نشأة اللغة أمر غير ذي فائدة، ذلك أنه بحث في الغيبيات، ولا يوصل إلى حقائق يقينية يمكن الركون إليها والتسليم بها، وهو أقرب إلى الفلسفة اللغوية منه إلى البحث اللغوي العلمي (28) ، ولكن إذا ما تحدث باحثون عن هذه النشأة رأيت منهم من يميل إلى الانتصار لما قاله ابن جني قبل عشرة قرون، فالقول بالمحاكاة اليوم أحد مذهبين مفترضين عند من يقول إنّ أصل اللغة اصطلاح ومواضعة لا توقيف وإلهام، وقد أخذ به معظم العلماء المحدثين مع تعديل طفيف، وعلى رأسهم العالم الإنكليزي وتني في القرن التاسع عشر (29) ، فلابن جني إذن فضل السبق العلمي، وإن كان القول بالمحاكاة في اللغة لا يخلو من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت