الصوتية في العلوم اللغوية وارتباطها الوثيق بما عالجوا من قضايا نحوية وصرفية ودلالية وبلاغية. وهذا يذكرنا بما نعرفه في اللسانيات الحديثة من صلة درس الجانب الصوتي في اللغة بدرس الجوانب الأخرى التي أشرنا إليها في مطلع هذه الدراسة.
*ثم إن علوم العرب اللغوية نشأت أول ما نشأت على السماع، فبه حملوا الشعر عن الرواة وحملوا القرآن الكريم والحديث النبوي، وعليه اعتمدوا في نقد عيوب الشعر، وفي تقعيد القواعد، وعليه أيضًا انبنى علم التجويد والقراءات، وعلى هدي منه اتخذت بعض معايير الفصاحة وبه قبست لغات القبائل المذمومة ولهجاتها (17) .
*فهذه الأمور الثلاثة كانت من جملة الأسباب التي تضافرت على جعل علمائنا الأقدمين يهتمون بالدرس الصوتي على النحو الذي رأيناه، وسنراه عند ابن جني.
4 -الأصالة والسبق:
*رأينا فيما تقدم، أن للعرب قدمًا ثابتة وباعًا طويلة في الدراسات الصوتية، ونذكر الآن أن لهم فضل السبق في الوصول إلى نتائج وحقائق علمية صوتية في غاية الدقة، ذلك أن من العلماء والمستشرقين الأجانب، بل من الباحثين العرب المحدثين من يقول أن الصوتيات العربية متأثرة ببحوث الأمم السابقة على العرب كالهنود واليونان، وعنهم نقلوها (18) ، ولعل ما ساعد على هذا القول أمران اثنان هما إهمال المسلمين للدراسات الصوتية في عصر الدول المتتابعة، وكون المستشرقين أول من تحدثوا عنها في عصر النهضة (19) .
*وممن تولى الرد على الآخذين بهذا الرأي الدكتور كمال بشر، وهو أحد العلماء المختصين، فقال (20) : (في رأينا أن دراسة العرب لأصوات لغتهم إنما هي دراسة أصيلة، ليست منقولة في منهجها أو طريق التفكير فيها عن غيرهم من الأمم، والقول بأنها ترجع إلى أعمال الهنود أو اليونان في دراساتهم الصوتية قول تعوزه الأدلة العلمية التي تستطيع أن تؤكد هذا الزعم أو تنفيه، على أن النظر الدقيق في جملة ما طلع علينا به علماء العربية في مجال الأصوات اللغوية يحملنا على الجزم بأن هؤلاء العلماء كانوا يصدرون عن عقليتهم الخاصة وثقافتهم العربية) .
*ثم أتى بدليل على صدق قوله يتصل بمنهجهم في الدراسة الصوتية، فرأى أن هذه الدراسة تقوم على أساس نطقي، كما عند الغربيين، يعنى بالخواص النطقية للأصوات ووظائف جهاز النطق وحركات أعضائه عند إخراج الأصوات، وهذا مخالف لما سلكه اليونان، إذ اعتمد هؤلاء أولًا على الخواص السمعية للأصوات، وإذا كان منهج العرب يشابه منهج الهنود عامة، فإن فيه اختلافات كثيرة في التفصيلات، وهو منهج وصفي يعنى بدراسة الظاهرة اللغوية في معزل عن تطوراتها التاريخية، ويخلو من الافتراضات العقلية والمتاهات الفلسفية، ويقوم على أساس من أهم أسس البحث الصوتي اليوم وهو الملاحظة الذاتية.
*ورأى الدكتور بشر أيضًا أن فيما قام به العرب سبقًا تاريخيًا وعلميًا، وإذا كان الهنود قد سبقوهم تاريخيًا في الدرس الصوتي، فإن هذا لا ينفي أن يكون العرب روادًا فيه، فأبجديتهم، - كما يقول (21) - فيها مبادئ صوتية رائعة، ويتحقق فيها أحدث الآراء في الدرس الصوتي إذ أن فيها رمزًا واحدًا لكل واحدة صوتية، ثم إن لهم سبقًا في إدراك معنى الجهاز النطقي ومعرفة وظيفته وطبيعته. وهذا سيتضح عند ابن جني خاصة، ولهم سبق أيضًا في ترتيب الأصوات حسب المخارج بدقة والعناية بتصنيفها وتقسيمها إلى مجموعات متداخلة.
*فحقيقة الأمر، إذن، أن دراسات العرب الصوتية تتسم بالأصالة، وفضل السبق، وقد عرف شيئًا من هذا غير واحد من العلماء المنصفين والباحثين المدققين الأجانب كالمستشرق برجشتراس، وفيرث