فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم وقال في المحاربين: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا (إلى قوله تعالى) إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} فعلم أنهم يقتلون من غير استتابة وأنه لا يقبل منهم ما يظهرونه من التوبة.
يوضح ذلك أنه جعل انتهاءهم النافع قبل الإغراء بهم وقبل الأخذ والتقتيل، وهناك جعل التوبة بعد ذكر الحصر والأخذ والقتل، فعلم أن الانتهاء بعد الإغراء بهم لا ينفعهم كما لا تنفع المحارب التوبة بعد القدرة عليه وإن نفعت المشرك من مرتد وأصلي التوبة بعد القدرة عليه، وقد أخبر سبحانه أن سنته فيمن لم يتب عن النفاق حتى قدر عليه أن يؤخذ ويقتل وأن هذه السنة لا تبديل لها [1] ا. هـ
ومما قاله الإمام ابن القيم رحمه الله:
فإن الزنديق قد علم أنه لم يزل مظهرا للإسلام فلم يتجدد له بإسلامه الثاني حال مخالفة لما كان عليه، بخلاف الكافر الأصلي فإنه إذا أسلم فقد تجدد له بالإسلام حال لم يكن عليها، والزنديق إنما رجع إلى إظهار الإسلام، وأيضًا فالكافر كان معلنًا لكفره غير مستتر به ولا مخف له، فإذا أسلم تيقنا أنه أتى بالإسلام رغبة فيه لا خوفا من القتل والزنديق بالعكس ...
إلى أن قال: وأيضًا فإن الله تعالى سن في عباده أنهم اذا رأوا بأسه لم ينفعهم الاسلام، وهذا إنما أسلم عند معاينة البأس، ولهذا لو جاء من تلقاء نفسه وأقر بأنه قال كذا وكذا وهو تائب منه قبلنا توبته ولم نقتله.
وأيضًا فإن الله تعالى سن في المحاربين أنهم إن تابوا من قبل القدرة عليهم قبلت توبتهم، ولا تنفعهم التوبة بعد القدرة عليهم، ومحاربة الزنديق للإسلام بلسانه أعظم من محاربة قاطع الطريق بيده وسنانه، فإن فتنة هذا في الأموال والأبدان وفتنة الزنديق في القلوب والإيمان، فهو أولى ألا تقبل توبته بعد القدرة عليه، وهذا بخلاف الكافر الأصلي فإن أمره كان معلومًا وكان مظهرًا لكفره غير كاتم له والمسلمون قد أخذوا حذرهم منه وجاهروه بالعداوة والمحاربة.
وأيضًا فإن الزنديق هذا دأبه دائمًا فلو قبلت توبته لكان تسليطًا له على بقاء نفسه بالزندقة والإلحاد، وكلما قدر عليه أظهر الإسلام وعاد إلى ما كان عليه، ولا سيما وقد علم إنه أمن بإظهار الإسلام من القتل فلا يزعه خوفه من المجاهرة بالزندقة والطعن في الدين ومسبة الله ورسوله فلا ينكف عدوانه عن الإسلام إلا بقتله.
وأيضًا فإن من سب الله ورسوله فقد حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا فجزاؤه القتل حدًا، والحدود لا تسقط بالتوبة بعد القدرة اتفاقًا، ولا ريب أن محاربة هذا الزنديق لله ورسوله وإفساده في الأرض أعظم محاربة وإفسادا، فكيف تأتي الشريعة بقتل من صال على عشرة دراهم لذمي أو على
(1) الصارم المسلول (3/ 653 وما بعدها) ط دار ابن حزم 1417.