الصفحة 54 من 121

ويدل على ذلك قوله سبحانه: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر} الآية، وقوله تعالى في موضع آخر: {جاهد الكفار والمنافقين}

قال الحسن وقتادة: بإقامة الحدود عليهم، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وعن ابن عباس وابن جريج: باللسان وتغليظ الكلام وترك الرفق.

ووجه الدليل: أن الله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بجهاد المنافقين كما أمره بجهاد الكافرين، ومعلوم أن جهادهم إنما يمكن إذا ظهر منهم من القول أو الفعل ما يوجب العقوبة، فإنه ما لم يظهر منه شيء البتة لم يكن لنا سبيل عليه، فإذا ظهر منه كلمة الكفر فجهاده القتل وذلك يقتضي أن لا يسقط عنه بتجديد الإسلام له ظاهرا، لأنا لو أسقطنا عنهم القتل بما أظهروه من الإسلام لكانوا بمنزلة الكفار وكان جهادهم من حيث هم كفار فقط لا من حيث هم منافقون، والآية تقتضي جهادهم لأنهم صنف غير الكفار لا سيما قوله تعالى: {جاهد الكفار والمنافقين} يقتضي جهادهم من حيث هم منافقون، لأن تعليق الحكم باسم مشتق مناسب يدل على أن موضع الاشتقاق هو العلة فيجب أن يجاهد لأجل النفاق كما يجاهد الكافر لأجل الكفر، ومعلوم أن الكافر إذا أظهر التوبة من الكفر كان تركًا له في الظاهر ولا يعلم ما يخالفه، أما المنافق فإذا أظهر الإسلام لم يكن تركًا للنفاق لأن ظهور هذه الحال منه لا ينافي النفاق، ولأن المنافق إذا كان جهاده بإقامة الحد عليه كجهاد الذي في قلبه مرض وهو الزاني إذا زنى لم يسقط عنه حده إذا أظهر التوبة بعد أخذه لإقامة الحد عليه كما عرفت، ولأنه لو قبلت علانيتهم دائمًا مع ثبوت ضدها عنهم لم يكن إلى الجهاد على النفاق سبيل، فإن المنافق إذا ثبت عنه انه أظهر الكفر فلو كان إظهار الإسلام حينئذ ينفعه لم يمكن جهاده.

ويدل على ذلك قوله تعالى: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا سنة الله في الذين خلوا من قبل}

دلت هذه الآية على أن المنافقين إذا لم ينتهوا فإن الله يغري نبيه بهم وأنهم لا يجاورونه بعد الإغراء بهم إلا قليلا، وأن ذلك في حال كونهم ملعونين أينما وجدوا وأصيبوا أسروا وقتلوا، وإنما يكون ذلك إذا أظهروا النفاق لأنه ما دام مكتوما لا يمكن قتلهم.

وكذلك قال الحسن: أراد المنافقون أن يظهروا ما في قلوبهم من النفاق فأوعدهم الله في هذه الآية فكتموه وأسروه، وقال قتادة: ذكر لنا أن المنافقين أرادوا أن يظهروا ما في قلوبهم من النفاق فأوعدهم الله في هذه الآية فكتموه، ولو كان إظهار التوبة بعد إظهار النفاق مقبولًا لم يمكن أخذ المنافق ولا قتله لتمكنه من إظهار التوبة، لا سيما إذا كان كلما شاء أظهر النفاق ثم أظهر التوبة وهي مقبولة منه.

يؤيد ذلك أن الله تبارك وتعالى جعل جزاءهم أن يقتلوا ولم يجعل جزاءهم أن يقاتلوا، ولم يستثن حال التوبة كما استثناه من قتل المحاربين وقتل المشركين فإنه قال: فإذا انسلخ الأشهر الحرم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت