الصفحة 102 من 121

فلا يمكن إطلاقًا أن تؤدي تلك المقدمة إلى هذه النتيجة، ولا يمكن أن تكون هذه النتيجة منبثقة عن تلك المقدمة، فالفساد في إحداهما ولا بد، ولما كانت النتيجة معلومة الصحة، فقطعًا أن المقدمة تلك كاذبة خاطئة.

وأما قوله: فابن تيمية لعلمه أراد أن يكشف هذه العقائد الفاسدة أن نقوم بالحق، فكتب رسالة مشهورة مطبوعة مستقلة وموجودة ضمن مجموع الفتاوى بهذا العنوان: رسالة إلى نصر المنبجي في عقائد محيي الدين ابن عربي، يوضح له هذه العقائد وفسادها وأن هذا ضلال بل وكفر، ويدعوه إلى أن يتوب منها الوزير هذا والخليفة أيضًا.

فقوله ويدعوه إلى أن يتوب منها: تلبيس منه ليوهم أن المنبجي والجاشنكير كانا يقولان بكفريات ابن عربي ويعتقدان ذلك وهذا ما لا يستطيع إثباته وقد تقدم كلام الأئمة في ذلك.

وبقي أن تعلم أن كلامه قد تضمن خلطًا وخطأً من الناحية التاريخية، وذلك في قوله: حصل كناحية سياسية انقلاب على هذا الحاكم من ابن عم له كان خليفة.

وهذا غير صحيح فلم يحصل من الجاشنكير انقلاب على الملك محمد بن قلاوون، وإنما كان ابن قلاوون هو الذي تنازل عن الملك، لعارض عرض له، ثم إنه عاد إليه بعد ذلك لسبب آخر وقَتَلَ الجاشنكير، وطالع تفاصيل ذلك في البداية والنهاية.

وأمر آخر وهو زعمه أن الجاشنكير كان ابن عمٍ لابن قلاوون، وهذا زعم عجيب غريب، وإنما كان الجاشنكير من مماليك الملك قلاوون والد الملك محمد بن قلاوون [1] .

وأمر ثالث وهو إطلاقه على هؤلاء الملوك لقب (خليفة) ، فهذا لا يصح فإنما كانوا ملوكًا وكانت الخلافة في بني العباس، وإن لم يكن لهم في ذلك الوقت من الأمر شيء.

وخلاصة الأمر بعد الذي تقدم، أن الحميدي لم يأت بشيء في هذا الباب، وهو تحقيق ما ذكرته لك من أن قضايا الأعيان وحكايات الأحوال لا يمكن أن تؤثر بحال على ما ثبت بالدليل القاطع والإجماع المتيقن من أن الحاكم إذا كفر سقطت طاعته ووجب على المسلمين خلعه، إذ حكايات الأحوال يدخلها ما يدخلها من الظن والاحتمال، كما قد رأيت. وبالله التوفيق.

(1) انظر النجوم الزاهرة لابن تغري بردي (8/ 232) ط وزارة الثقافة والإرشاد القومي - مصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت