فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 61

ومما يدل على أن الجاحظ لم يكن يحس بأي تعارض بين الصرفة بهذا المفهوم وبين نظرية النظم ، أنه جمع بين النظريتين في مكان واحد ، فبعد أن انتهى من تقرير مبدأ الصرفة ، قال: ( وفي كتابنا المنزل الذي يدل على أنه صدق ، نظمه البديع الذي لا يقدر على مثله العباد ، مع ما سوى ذلك من الدلائل التي جاء بها من جاء به ) [1] . فكلام الجاحظ ينص على أن الذي أعجز العرب ، هو نظم القرآن البديع ، وأن النظم هو الذي تحداهم به الرسول - - صلى الله عليه وسلم - . أما حديثه عن صرف الله لهمم العرب عن محاولة محاكاته ، فهو يبرز معنى فيه منة امتن الله بها على المسلمين ، حين لم يتكلف بعض المتكلفين معارضة القرآن ، ولو فعل ذلك بعضهم ، فليس المخوف عندئذ أن يأتي بكلام من مثله ، فذلك مستحيل بنص كلام الجاحظ السابق ، ولكن المخوف هو أن يأتي بكلام ينخدع به بعض الضعفاء ، ويتعلقون به ، كما تعلق أصحاب مسيلمة بما ألفه لهم من هراء ، وعندئذ يحدث ما يشوش على القرآن ، عندما يوجد من يستجيد ما ادعي أنه معارضة له ، فيدافع عنه ، ويزعم أنه قد عارض ، وقابل ، وناقض ، فيكثر القيل والقال ، فكان هذا التدبير الإلهي ، لئلا يكون لأهل الشغب متعلق يتعلقون به . [2] فلم يكن إذن تناقض ، أو اضطراب في رأي الجاحظ ، في إعجاز القرآن

(1) - للجاحظ: الحيوان ، ج4/ ص 90 .

(2) - د. عبد الغني محمد سعد بركة: الإعجاز القرآني ، وجوهه وأسراره ، ص 62 . والسيوطي: الإتقان ج4 / ص 6 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت