فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 61

ومن الواضح أن الصرفة عند الجاحظ بمفهومها هذا ، لا ينفي عن القرآن روعته البلاغية ، ودرجته العالية في سلم الفصاحة، والبيان ، وقد أكد الجاحظ هذه الحقيقة أكثر من مرة ، فذهب الى أن وجه الإعجاز في القرآن ، إنما هوالنظم والتأليف ، وأن القرآن الكريم بلغ القمة في روعة نظمه ، والذروة العظمى من البلاغة التي لم يعهد مثلها في تراكيبهم ، وتقاصرت عنها درجات بلاغتهم ، وقال واصفا بيان القرآن: ( وعبت كتابي في خلق القرآن ، كما عبت كتابي في الرد على المشبهة ، وعبت كتابي في أصول الفتيا والأحكام ، كما عبت كتابي في الاحتجاج لنظم القرآن ، وغريب تأليفه ، وبديع تركيبه .) [1] . فهناك فرق بين مفهومي النظام ، والجاحظ للصرفة ، فالنظام: يرى قدرة المنشئين على أن ينظموا مثل القرآن ، والإعجاز في صرف الله لهم عن هذا الصنيع . أما الجاحظ: فلم يستعمل الصرفة بمفهومها النظامي الذي سبق أن أنكره عليه ، وإنما استعملها بمفهوم آخر ، لا يتنافى والقول بإعجاز القرآن بالنظم . فانصراف العرب عن معارضة القرآن ، إنما وقع بعد أن تحداهم الرسول

_ صلى الله عليه وسلم - - بنظمه ، وهي لذلك ليست تعني أن الله أحدث فيهم منعا ، وعجزا ، وإنما تعني أن له تعالى تدبيرا ، حفظ به القرآن من شغب المعاندين ، فصرف أوهامهم ونفوسهم ، عن كل محاولة لمعارضة القرآن ، لما قد يدخل بذلك من الشبه على ضعاف العقول ، ولما قد ينشأ عنه من الفتنة .

(1) - الجاحظ: الحيوان - ج1 / ص 9

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت