فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 61

ومع أن مفهوم - الصرفة - نشأ في البيئة الاعتزالية بادئ بدء ، إلا أن ذلك لا يعني أن مفهومها عندهم جميعا كان واحدا ، بل كان لها ثلاثة مفاهيم ، هي:-

1-المفهوم النظامي للصرفة الذي ينفي عن القرآن الإعجاز ، ويجعله في مستوى الكلام البليغ الذي استحسنته العرب ، وحظي عندها ، ولا فضل للقرآن في ذلك على غيره ، وكان باستطاعة العرب الإتيان بمثله ، لولا أنهم صرفوا مقهورين بقوة خارجة عنهم ، لا طاقة لهم على دفعها . وهو رأي مرفوض لا يعتد به ، ولا يؤبه له - كما سأبين - . وقد كانت رؤوس المعتزلة أول من رفضه ، ورده ، ولم يتابعه عليه إلا شرذمة قليلة منهم .

يقول الجاحظ (ت 255هـ ) مفندا قول النظام ، حيث قال مخاطبا أحمد بن أبي دؤاد [1]

( ت 240 هـ) :- ( فكتبت لك كتابا أجهدت فيه نفسي ، وبلغت أقصى ما يمكن مثلي في الاحتجاج للقرآن ، والرد علىالطعان ، فلم أدع فيه مسألة لرافضي، ولا لحديثي ، ولا لحشوي ، ولا لكافر مباد ، ولا لمنافق مقموع ، ولا لأصحاب النظام ، ولمن نجم بعد النظام ، ممن يزعم أن القرآن حق ، وليس تأليفه بحجة ، وأنه تنزيل وليس ببرهان ولا دلالة.) [2] ، فواضح من هذا النص أن النظام لو كان يعترف ولو ضمنيا بأن نظم القرآن وتأليفه معجز ، لكان الجاحظ أول من يعرف ذلك ، ولما تصدى لنقض صرفة النظام وردها ، وإذن فمفهوم الصرفة لدى النظام ، وأصحابه ، ليس مجرد شعور بالعجز ، وانصراف تلقائي ، وإنما مفهومها أن الناس كانوا قادرين على مثل القرآن ، لولا أن منعهم الله بمنع وعجز أحدثهما فيهم ، لذلك لم يجد هذا المفهوم قبولا من الجاحظ ، فاستنكره وتصدى لنقضه، ورده ، واستنكره أيضا جمهور المسلمين ، وردوا عليه ردودا منطقية مقنعة .

(1) - هو أحمد بن أبي دؤاد الملقب بأبي عبد الله القاضي ، من الطبقة الثانية من طبقات المعتزلة ، توفي سنة 240 هـ . القاضي المعتزلي: طبقات المعتزلة ، ص78 .

(2) - الجاحظ: حجج النبوة - ص143-144.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت