فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 109

ولا ريب أن الحديث في هذا الباب ذو شجون؛ فَسِير العلماء من الصحابة ومن بعدهم من التابعين، ومن تبعهم بإحسان حافلة بمعاني الصداقة، والأخوة الحقة.

ولا يخفى على كثير من طلبة العلم ما كان بين الصحابة من المودة، والوفاء, والأخوة الصادقة، والاعتراف بالفضل.

وكذلك الحال بالنسبة لمن جاء بعدهم من التابعين ومن تبعهم بإحسان؛ فالذي كان بينهم من الود والإخاء أشهر من أن يذكر، كالذي بين ابن المبارك، والفضيل، وسفيان الثوري.

وكالذي كان بين أبي حنيفة وتلميذه أبي يوسف، وكالذي كان بين مالك والشافعي، وبين الشافعي وأحمد، وأحمد وتلاميذه، وكالذي كان بين البخاري ومسلم، وغيرهم - رحمهم الله -.

ولقائل أن يقول: { تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ } فأنى لنا بمثل أولئك، فـ:

لا تعرضن بذكرهم مع ذكرنا ... ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد

فتلك المعاني الجميلة قد ذهبت مع أولئك الرجال.

ويقال لمن قال ذلك: لا ريب أن أولئك قد نالوا القِدْح المعلى، والنصيب الأوفى من تلك المكارم، ولكن الخير باق في هذه الأمة، ولا تزال تلك المعاني تُبعث بين الفينة والأخرى، ولا يزال الله يغرس لهذا الدين غرسًا، يتولاهم برعايته، ويصنعهم على عينه؛ ففي عصورنا المتأخرة صور كثيرة مؤكدة لهذه المعاني العظيمة.

وما من شك أنَّ لتلك الصداقات أثرًا بالغًا في تقوية الرابطة العلمية، وتآزر أهلها، واتحاد كلمتهم، وعدم التجرؤ على الوقيعة فيهم، والإيضاع خلالهم.

ولأجل أن يطرد شبح اليأس من القلوب، ولئلا يتشعب الحديث في هذا الباب إليكم معاشر القراء نماذج لثلاثة من العلماء المعاصرين المتأخرين تؤكد هذا المعنى وتبرهن عليه؛ حيث سيتناول الحديث نظرتهم للصداقة، وقيامهم بحقها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت