... ولا يعني هذا أنَّ الطبيعة لا تنطوي على جمال بذاتها، وبخاصة أننا نلتقي بتشكيلات في الحجر والصخور نحتتها الطبيعة تشتمل على أشكال لها جمالها، غير أنَّ هناك فرقًا جوهريًا بين الجمال في الطبيعة والجمال في الفنون التي يبدعها الإنسان، لأنَّ الجمال في الطبيعة لم يحدث بقصد التأثير الفني والجمالي، في حين تمت في الحالة الثانية بقصد التأثير الذي عمد إليه الفنان، ولذا فإنَّ التعبير الفني المقصود هو الذي يميز العمل الفني عن الجمال الذي نلمحه في الطبيعة، وهذا يعني أنَّ إرادة الإنسان وذوقه وأفكاره وخبرته هي التي تنعكس في الفن، وتنطوي على جمال له خصائصه وميزاته .
... أما الفنون الإيقاعية فإنها تعتمد على أساسين هما: الصوت والزمن، فالأصوات هي المادة الخام التي تعتمدها الفنون الإيقاعية، وإن تدخل الإنسان في توزيعها بطريقة معينة يخلع عليها قيمتها الجمالية، ولذلك قيل إنَّ الإيقاع » هو النظام الوزني للأنغام في حركتها المتتالية ... وهو تكرار ضربة أو مجموعة من الضربات بشكل منتظم على نحو تتوقعه الأذن كلما آن أوانها « (1) ، وفي ضوء هذا يجمع الإيقاع بين عنصري الحركة والتنظيم معا بحيث تكون الحركة تعبيرًا عن العنصر المادي أو الحيوي في الإيقاع والتنظيم تعبيرًا عن عنصره الذهني والروحي « (2) ، فالموسيقى أصوات متعاقبة بكيفية معينة وتحدث في زمان محدد، ولذا فهى فن زماني بخلاف الرسم وتقتضي وقتًا كي يتم تذوقها،لأنَّ الضربات الإيقاعية المتتالية إنما تحدث في زمان محدد، وتكون الأذن الحاسة التي يستخدمها الإنسان في تذوق الموسيقى .
(1) ـ فؤاد زكريا، التعبير الموسيقي، ص 20 .
(2) ـ نفسه، ص 61 .