الصفحة 8 من 95

الحج كما ذكرنا ركنٌ من أركان الإسلام، و قد كان معمولًا به في الشرائع السابقة. فقد ذكر المؤرخون أن الله تعالى أنزل هذا البيت العتيق لآدم عليه السلام لما هبط إلى الأرض، فأحب أن يكون له موضع يقصده، ويتعبّد فيه، و يطوف به كما تطوف الملائكة بالبيت المعمور. فعند ذلك جعل الله له هذا البيت العتيق ليتعبد فيه. ثم أخبر عليه الصلاة و السلام بأن الأنبياء، قد قصدوه، فقصده نوح وهود و صالح و نحوه من الأنبياء عليهم السلام، و ذكر صلى الله عليه و سلم أنهم توجهوا إليه، يُلبُّون على رواحلهم قاصدين أداء المناسك في تلك المشاعر المفضلة.

و هكذا استمروا، و لكن مع توالي السنين انهدم البيت و بقي مكانه مرتفعًا، حتى جدده إبراهيم و إسماعيل عليهما السلام، قال الله تعالى: (( و إذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ) ) (الحج:26) . يعني أخبرناه بموضعه الذي كان موجودًا فيه حتى يعيد بناءه، فأعاده هو و إسماعيل عليهما السلام، قال الله تعالى: (( و عهدنا إلى إبراهيم و إسماعيل أن طهّرا بيتي للطائفين و العاكفين و الركع السجود ) ) (البقرة:125) .

و أخبر بأنه أقامه هو و ابنه إسماعيل عليهما السلام في قوله تعالى: (( و إذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت و إسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم * ربنا و اجعلنا مسلمين لك و من ذريتنا أمة مسلمة لك و أرنا مناسكنا و تب علينا ) ) (البقرة:127) .

هكذا جدده إبراهيم و إسماعيل عليهما السلام و بقي مقصودًا تعترف به العرب؛ بل و تعدُّه فخرها و عزّها و ذخرها، و يأتون إليه من أماكن بعيدة، يؤدون فيه المناسك، فيطوفون، و يسعون و يعتمرون، و يحجون و يذهبون إلى المناسك و المشاعر التي حوله، و يرجعون و قد تزودوا بما تزودوا به من الأعمال.

لكن مع توالي الجهل، و مرور السنين أحدثوا فيه أحداثًا، و جعلوا فيه بدعًا و منكرات ليست من الدين، و الذي حملهم على ذلك جهلهم، فكان و لابد أن يكون هناك من يجدد هذه المشاعر، فبعث الله نبيه صلى الله عليه و سلم، و حج بالناس في سنة عشر، و أعاد المناسك إلى ما كانت عليه في عهد أبيه إبراهيم و إسماعيل عليهما السلام، و ردّ كل المحدثات التي أقامها المشركون، سواء كانت قولية أم فعلية، و عاد الناس إلى معرفة الأحكام، و معرفة ما عليهم، و هو الذي بقي -و الحمد لله- إلى هذا الزمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت