خدَّرها عدوُّها وشغلها عن دينها، ومزَّق رابطَتَها بكسب يدِها، فأصبح كلُّ فريق منها كما قيل: قانعًا بجحر الضَّبّ يُناضل عنه بِمثل سلاح الضَّبّ، وهيْهات إذا مُزِّقت الأطرافُ أن يُحفظ القلب!
وعلى حدِّ قول البشير:
عتبات الفتح بنيت على الكسر، وصائدة المناسر صادَها النَّسْر، وباذِل الماعون في العُسْر جزَوا في العاقبة بالخسْر، فأصبح الصيَّاد هائِب الفري، وأصبح الهرُّ يهاب الجرذا.
وظاهر عليْها من وراء الأكنَّة، شخوص مجتنَّة، في كيد الأبالسة والجِنَّة، لا تعرف الأمَّة إلاَّ في مواقف الاستِعْباد والابتزاز والذلَّة، فإذا ما مسَّ الضّرّ الأمَّة، كانوا على المؤمنين أعزَّة وعلى الكافرين أذلَّة.
يستأْسِدون على القريب وللعدوّ أرانبُ، لا يعرفون الياء من الألف ودائمًا في باب ما لا ينصرف، يجعلون العنفقة حاجبًا والمجون واجبًا. جيل من الأنعام إلاَّ أنَّهم من بيْنها خُلقوا بلا أذناب، ليْس في صحفهم موقف واحدٌ لعزِّ الإسلام يداوون الزّكام بالجذام، ويمتدحون الدناءة بالكلام، عارٌ على السَّلف والخلف، وأكذبُ ما يكون أحدُهم إذا حلف، ويُكثرون من العواء والصلف، كلابُ مزابلَ آذيْنَني بأبوالهنَّ على بابِ داري، وقد كنت أُوجعها بالعصا، ولكن عوت من وراء الجدار.
فصارت الأمَّة ميدان تنازع لعوامل الخفْض إذ تنازعها عاملان: عاملٌ على تجريدها من دنياها يجهدُ في التجريد ويتمنَّى المزيد، وعاملٌ على تجريدها من دينها يكيد ما وسِعه الكيد.
ويلتقي العاملان في نقطةٍ واحدة ألا وهي القضاء على هذه الأمَّة، وهذا محالٌ بفضل الله ومنِّه.
فَكُلَّمَا لِلحَرْبِ نَارًا أَوْقَدُوا أَطْفَأَهَا اللَّهُ العَزِيزُ الأَحَدُ
تستيقظ الأمَّة مترنِّحة، تقول للعامل الأوَّل بلسان حالها: لا نَوْمَ بعد اليوم، ولا يتمُّ ما تمَّ في النَّوم.