المبحث الثاني عشر
صفة المرضعة
لا خلاف بين الفقهاء في أن لبن كل امرأة يحرم سواء كانت حرة أم أمة مسلمة أم كتابية ذات زوج، أو سيد أو خلية بالغة أو غير بالغة حاملًا أم حائلًا يائسة من الحيض أم كانت من ذوات الحيض، والكلام على صفة المرضعة يقتضينا أن نوضح جنسها وعليه فهذا المبحث يكون في بيان الآتي:
1 -حكم لبن الميتة 2 - حكم لبن البهيمة 3 - حكم لبن غير المسلمة
أولًا: حكم لبن الميتة:
اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
القول الأول: ذهب أبو حنيفة [1] ومالك وأحمد في رواية إلى أن لبن الميتة ينشر الحرمة، وهذا القول مروي عن أبي ثور والأوزاعي وابن القاسم وابن المنذر.
القول الثاني: ذهب الشافعي وأحمد في رواية [2] وابن بشير من المالكية إلى أن لبن الميتة لا ينشر الحرمة.
سبب الخلاف: والسبب في اختلاف الفقهاء في لبن الميتة هو: هل يتناولها العموم أو لا يتناولها؟.
فمن رأى أن العموم يتناولها قال: بأن لبنًا ينشر الحرمة وهو قول الحنفية ومن وافقهم.
ومن رأى أن العموم لا يتناولها قال: إن لبنها لا ينشر الحرمة وهو قول الشافعية ومن وفقهم.
الأدلة:
استدل الحنفية ومن وافقهم على أن لبن الميتة ينشر الحرمة بالمعقول وهو أنه وجد الارتضاع على وجه ينبت اللحم وينشز العظم من امرأة، فأثبت التحريم كما لو كانت حية واستدل الشافعية ومن وافقهم على أن لبن الميتة لا ينشر الحرمة بالمعقول أيضًا، وهو أن الحرمة لا تقع بغير المباح ولبن الميتة نجس فلا يحرم.
والراجح أن لبن الميتة يحرم حيث لا فرق بين شربه منها حال حياتها وشربه منها بعد الموت، ولأنه لو حلب منها في حياتها وشرب بعد موتها انتشرت الحرمة، والقول بأنه نجس قول باطل؛ لأن المؤمن لا ينجس وقد قال -عليه السلام-: «المؤمن لا ينجس» ، وقال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) والتكريم حال الحياة وكذا بعد الممات.
ثانيًا: حكم لبن البهيمة:
اتفق الفقهاء على أن لبن البهيمة لا يتعلق به تحريم فلو أن ذكرًا وأنثى رضعا من بقرة أو شاة لم يصيرا أخوين بهذه الرضاعة حيث أن الحرمة لا تنتشر بغير لبن الآدمية، ولا يتعلق به تحريم الأمومة ولا تحريم الإخوة؛ لأن الإخوة فرع للأمومة [3] ، ولم يخالف في ذلك أحد إلا ما حكي عن بعض السلف من أنه لو ارتضع ذكر
(1) بدائع الصنائع ج4 ص9 - المغني لابن قدامة ج 8 ص171 وما بعدها.
(2) تكملة المجموع ج18 ص221، ص 223 - حاشية الدسوقي ج2 ص 512 - بلغة السالك ج1 ص514.
(3) انظر المراجع السابقة.