المبحث الحادي عشر
حكم اللبن المختلط بغيره
لا خلاف بين الفقهاء في أن الطفل في عمر الرضاع إذا رضع لبنًا خالصًا تعلق التحريم على نحو ما أوضحناه عند الكلام على القدر المحرم والسعوط والوجور، وكون اللبن خالصًا ليس مختلطًا بغيره هو الصورة الطبيعية والغالبة فيه إلا أنه قد يختلط بغيره مائعًا كان أم جامدًا وقد يجبن، وفي هذا اختلف الفقهاء، والسبب في اختلافهم هو: هل يبقى للبن حكم الحرمة إذا اختلط بغيره أم لا يبقى في حكمها كالحال في النجاسة إذا خالطت الحلال الطاهر، والأصل المعتبر في ذلك انطلاق اسم اللبن عليه كالماء هل يطهر إذا خالطه شيء طاهر؟.
فمن رأى أن اللبن إذا اختلط بغيره بقي له حكم الحرمة قال بالتحريم، ومن رأى أنه إذا خلط بغيره لم يبق له حكم الحرمة قال بعدم التحريم، وسوف نوضح أقوال الفقهاء في الحالتين:
الحالة الأولى: حكم ما إذا عمل اللبن جبنًا:
إذا صنع اللبن جبنًا ثم أطعم الطفل به ثبت التحريم عند مالك والشافعي [1] وأحمد في رواية الدليل عقلي وهو: إن اللبن المصنوع جبنًا واصل من الحلق إلى المعدة، ويحصل به إنبات اللحم وإنشاز العظم، فيحصل به التحريم كما لو شربه قبلًا، وقد جاء في حاشية الدسوقي ما نصه: «والظاهر أن اللبن يحرم إذا جبن أو سمن واستعمله الرضيع» .
أما عند أبي حنيفة [2] وأحمد في رواية أن اللبن إذا جبن وأطعم الطفل لا يحرم الدليل عقلي أيضًا وهو: زوال اسم الرضاع عنه، ولأنه لا ينبت اللحم ولا ينشز العظم ولا يكتفي الصبي به في الغذاء فلا يحرم.
والواقع أن اللبن إذا جبن يحرم؛ لأن الجبن هو عين اللبن كما أن الطفل يكتفي بالجبن ويستغني به عن اللبن، ويتغذى فينبت لحمه بهذا الغذاء وينشز عظمه، وهذا هو سبب التحريم عملًا بحديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- السابق ذكره.
الحالة الثانية: حكم ما إذا خلط اللبن بغيره:
إذا خلط اللبن بغيره مائعًا كان أم جامدًا، فقد اختلف الفقهاء في حكم التحريم به على قولين:
القول الأول: ذهب الشافعية وبعض الحنابلة [3] إلى أن اللبن إذا خلط بغيره، فحكمه حكم اللبن المحض الخالص من ثبوت التحريم به.
القول الثاني: ذهب الحنفية والمالكية والمزني [4] من الشافعية وابن قدامة من الحنابلة إلى أن اللبن إذا خلط بغيره، وكان اللبن غالبًا تعلق التحريم به وأن لم يكن اللبن غالبًا لم يثبت به التحريم.
(1) حاشية الدسوقي ج2 ص503 - تكملة المجموع ج18 ص522 - كشاف القناع ج5 ص446.
(2) بدائع الصنائع ج4 ص9 - المغني لابن قدامة ج8 ص174.
(3) المهذب للشيرازي ج2 ص167 - كشاف القناع ج5 ص447.
(4) بدائع الصنائع ج4 ص9 - المغني لابن قدامة ج8 ص175 - تكملة المجموع ج18 ص222.