الصفحة 32 من 42

اختلف الفقهاء في التحريم بالحقن باللبن وسبب اختلافهم هو: هل المعتبر فيه الوصول إلى الحلق أو لا يعتبر؟ فإنه يشبه أن يكون هذا هو سبب اختلافهم في السعوط باللبن والحقنة به، ويشبه أن يكون اختلافهم في ذلك لموضع الشك هل يصل اللبن من هذه الأعضاء أو لا يصل؟ [1] .

فالمشهور عند الحنفية وقول الشافعية والمالكية ورواية [2] للحنابلة أنه إذا حقن الصبي باللبن، فلا يتعلق بها تحريم؛ لأن المعتبر في هذه الحرمة هو معنى التغذي والحقنة إنما جعلت للإسهال، ولا يصل اللبن بالحقن إلى موضع الغذاء؛ لأن موضعه المعدة والحقنة لا تصل إليها، فلا يحصل نبات اللحم ونشوز العظم واندفاع الجوع فلا توجب التحريم.

وذهب محمد صاحب أبي حنيفة والمالكية والشافعية في قول، والحنابلة في الرواية الثانية عنهم إلى أن الحقنة باللبن تحرم؛ لأنها تصل إلى الجوف فيحصل بها الغذاء الذي هو سبب الحرمة كما أن الحقنة تؤدي على فساد الصوم فصار كما لو وصل اللبن من الفم.

مما سبق يظهر لنا أن من قال بعدم الحرمة قد بنى قوله على أن الحقنة ليست للتغذي وأن من اعتبرها مغذية كما هو الحال في الفم قال بالحرمة.

إذا فالمعول عليه في هذا المقام هو كون الحقنة مغذية أم لا؟ وهذا مآله ومرجعه إلى قول أهل الخبرة، وقد سألنا أحدهم ممن نثق به من الأطباء فأجاب بأن: لجسم الطفل منفذان لجوفه هما الفم وفتحة الشرج - الدبر - وإذا كان اللبن عن طريق الفم مغذيًا للطفل مائة في المائة فإنه عن طريق الحقن في الشرج لا يقل تغذية عن الستين أو السبعين في المائة.

وعليه فالذي أميل إليه وأرجحه هو القول القائل بالحرمة؛ لأن الحقنة إذا ما أعطيت للطفل عن طريق الدبر فإن اللبن يصعد إلى جوفه ويصل إلى معدته فيحصل الغذاء أيًا كان قدره؛ لأن المعدة محله فيتحقق إنبات اللحم وإنشاز العظم وهذا هو سبب التحريم.

(1) بداية المجتهد ج2 ص44.

(2) بدائع الصنائع ج4 ص9 بلغة السالك ج1 ص515 - تكملة المجموع ج18 ص218 - المغني لابن قدامة ج8 ص173.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت