الاتجاه الثاني: أما فيما يخص العلاقة فيما بينهم: فقد كانت العداوة والبغضاء قد فشت بينهم والتحزب للقبيلة قد أخذ مأخذًا عظيمًا منهم. فلقد كانت والجزيرة العربية عند بعثة النبي (- صلى الله عليه وسلم -) تموج بالقوميات و العصبيات، وكانوا وفق المصطلحات الحديثة ينقسمون إلى أحزاب وتكتلات منغلقة على نفسها فكل قبيلة تقدم ولائها و تحصر انتمائها، و تخص بنصرتها أفراد تلك القبيلة، حتى قال قائلهم:
وهل أنا إلا من غزية أنْ غوت ... غويت و إن ترشد غزية أرشد
و قال آخر:
لا يسألون أخاهم حين يسألهم ... في النائبات على ما قال برهان.
وفي ظل هذه الأحداث الجسيمة التي ألقت بظلالها على أرجاء الجزيرة العربية أشرقت شمس النبوة، وبعث النبي (- صلى الله عليه وسلم -) بدين هو كما قال أبو طالب (( ... من خير أديان البرية دينًا ) )، دين ضمَّنه الله تعالى كل ما من شأنه أن يكفل السعادة للبشرية جمعاء، دين يصلح بأحكامه الربانية لكل زمان ومكان، دين أكمله الله وأتمه وارتضاه لعباده، دين يخرج العباد من عبادة العباد والشجر والحجر والشمس والقمر إلى عبادة رب الأرض السموات.
وفي سبيل هذا كله نرى النبي (- صلى الله عليه وسلم -) قد شمّر عن ساعد الجد وربط الليل بالنهار وراح يدعو إلى ربه تعالى، ولم يدخر جهدًا في سبيل إيصال دعوته إلى عموم الناس كافة كما أمره الله تعالى.
ولكن لما عجزت الحجج الدامغات والبينات الواضحات من النفاذ إلى قلوب هؤلاء المشركين، وإستمكن العناد والجحود منها صمتت الألسن وخشعت الأصوات وراحت السيوف والرماح تخطب على منابر الرقاب، حتى استقام الأمر ورضخت النفوس وانتصرت إرادة الحق، وراحت رايات الإسلام ترفرف عاليًا على أرجاء دولة