2 -لو فرضنا أن آلية التعامل في البورصات قد تم تخطيطها بكل حزم واحتياط ليكون البيع حقيقيا ملتزما بالشروط الشرعية، ثم اتخذت عملية التورق الشكل الذي شرحناه فيما سبق، فإنه لا بد أن تأتي البضاعة في حوزة المتورق بعد شرائه إياها من المصرف، وقبل أن يبيعها إلى المشتري النهائي، فيتحقق منه قبضها، إما بنفسه و إما عن طريق وكيل له، ولا يجوز أن يكون المصرف هو الوكيل للمتورق بالقبض، فإن المصرف هو البائع، فلا بد من أن تخرج السلعة من حوزته و ضمانه إلى حوزة المشتري أو وكيله الذي هو غير البائع.
3 -ولئن فرضنا أن وكيل المشتري هو السمسار، فهو الذي يقبض السلعة من المصرف نيابة عن المشتري ثم يبيعها إلى المشتري النهائي، فإن المشكلة هاهنا أن ذلك السمسار نفسه هو الوكيل للمصرف أيضا، فهو يشتري السلعة من البائع الأصلي نيابة عن المصرف ويقبضها نيابة عنه، ويبيعها إلى المتورق، فهو في حكم المصرف من حيث كونه وكيلا له، فلا يصح أن يكون وكيلا للمشتري بالقبض، ولا مساغ للخروج من ذلك إلا بأن تقع من المصرف تخلية السلعة للمتورق بعد ما يتم شراء السلعة من البائع الأصلي، فإذا تحققت التخلية التي هي في حكم القبض خرجت السلعة من ضمان المصرف، ويمكن الآن أن يوكل المتورق المصرف أو السمسار ببيعها إلى المشتري النهائي، فإن اشترط التوكيل عند الشراء فسد العقد كما أسلفنا، و إن عقد التوكل قبل التخلية فإنه لا يجوز لكون السلعة في ضمان المصرف حينئذ.
ولا شك أن الالتزام بهذه الآلية في بيوع السلع الدولية السريعة من الصعوبة بمكان.
والطريق الثاني أن يكون السمسار الذي يقبض السلعة نيابة عن المتورق ويبيعها وكيلا له، غير السمسار الذي اشترى البضاعة للمصرف، فيكون هناك سمساران، أحدهما وكيل للمصرف، و الآخر وكيل للمتورق، وبما أن الطريق الأول في صورة وحدة السمسار صعب تنفيذه، بل لا يكاد يتحقق مهما وقعت الدقة في المراقبة، فهذا الطريق الثاني هو المتعين، ولا ينبغي أن يسمح بالطريق الأول من قبل الهيئات الشرعية.
4 -ثم إن البيوع في نظام البورصات الجديد إنما تتم عن طريق الحاسب الآلي، ولم يتحقق لي حتى الآن أن مجرد ظهور اسم المشتري على شاشة الحاسوب ينقل الملك و يتحقق القبض وينقل الضمان إليه، ويجب أن تكون العقود الجارية عن طريق الحاسوب موضوع دراسة مستقلة في ضوء القوانين و الأعراف قبل الحكم عليها بالجواز و عدمه [1] .
وبهذا يقرر الشيخ الوضع النمطي الذي يجري في التورق، وأنه يؤول إلى قرض بفائدة، بوسيلة مسمى التورق.
وهذا ما جعل بعضهم يقول: لو كان هناك مذهب واحد، أو رأي فقهي معتبر يجيزه فلا داعي للتضييق على الناس والخوض في صحة التورق من الناحية الشرعية، مبينا أن التورق الذي أجازه الفقهاء مبني على الفرد الذي يقوم بعملية شراء للسلعة مستوفية لكل أركان البيع والشراء والأجل، ثم تنتهي هذه العملية لتبدأ عملية أخرى منفصلة عنها تماما لا ترتبط بأي ارتباط بالعلاقة التعاقدية السابقة.
(1) أحكام التورق وتطبيقاته المصرفية ص62 - 64 من أبحاث الدورة السابعة عشرة للمجمع الفقهي