ثانيًا: حول قضية اختلال التوازن البيئي
كيف واجه القرآن قضية اختلال التوازن البيئي؟ وكيف وصفه؟ نشير فيما يلي إلى آيتين تفيدان الرؤية الوصفية القرآنية حول هذه القضية.
-يقول سبحانه:"ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ"
-ويقول سبحانه:"واذا تولّي سعى في الارض ليفسد فيها و يهل كالحرث والنسل"
إنّ فكرة التركيز على دور ومسؤولية الإنسان إزاء البيئة، تجلّت بشكل أقوي في الكتاب المنزل حيث ركّزت هاتان الآيتان في تبيين السبب الذي يكمن وراء فساد الأرض وهلاك الحرث والنسل على عنصري"السعي الإنساني"و"الكسب الإنساني".
وفي تركيز الآية الأولى على لفظة الأيدي ما لا يخفى من لفتها النظر إلى الآلة التي تتمّ التدخلات والتصرفات البشرية بها.
والآن ننتقل إلى قاعدة اختلال النظام لكي نشرحها ونبيّن مدي أهميتها ودورها في معالجة مشاكل البيئة، فنقول: إنّ قاعدة اختلال النظام من القواعد الهامّة التي قد استند الفقهاء على الاستناد إليها في إثبات الكثير من الأحكام الفقهية، فمثلًا أثبتوا جواز أخذ الأجرة على الصناعات الواجبة بالاعتماد على هذه القاعدة، قائلين: إنّ حرمة أخذها توجب اختلال النظام، لوقوع أكثر الناس في المعصية بتركها أو ترك الشاق منها والالتزام بالأسهل، فإنهم لا يرغبون في الصناعات الشاقة أو الدقيقة إلا طمعًا في الأجرة وزيادتها على ما يبذل لغيرها من الصناعات، فتسويغ أخذ الأجرة عليها لطف في التكليف بإقامة النظام. [1] أو نفوا وجوب الاحتياط مستدلّين بأنه إذا أمر الشارع عامة المكلفين بالاحتياط يلزم من بنائهم على العمل به اختلال أمورهم، لكونه شاغلا لهم عن أكثر ما يتوقف عليه نظام أمورهم من التجارات والصنائع إن لم نقل بكونه شاغلا عن جميعها. [2] أو شرطوا لزوم الفحص في قبول دعوى المديون للإعسار بالاستناد إلى هذه القاعدة، قائلين أنّه لو بنى على عدم الفحص في دعوى الاعسار لأدّى إلى إبطال الحقوق كثيرا، بل إلى اختلال النظام لأنه ينجر إلى ادعاء كثير من المديونين الاعسار. [3] وما إلى ذلك من الموارد.
وبالاستناد إلى هذه القاعدة أمكن إثبات حرمة التصرفات المخلّة بنظام البيئة، بل إعمالها هنا يتمّ بطريق أولي فيما لو قلنا بإعمالها في تلك الموارد، حيث إنّه إذا كان الفقه لا يسمح لبعض الأفعال بحجة أنّها مما ينعكس بالسلب على جانب من معاش الإنسان ونظمه الاجتماعي أو الفردي- كما شاهدنا في الأمثلة التي ذكرناها- فكيف يسمح للتصرفات التي لها مساس عظيم بالنظام البيئي الذي يرتبط بمسار حياة الإنسان، و يمثّل اختلاله مأساة عظيمة للبشرتقضي على كيانه في الحاضر والمستقبل.
ولتوضيح أكثر نقول: إن قاعدة اختلال النظام تتصور لها مجالات ثلاثة:
-المجال الفردي
-المجال الاجتماعي
-المجال الحيوي
(1) كتاب المكاسب للشيخ الأنصاري 2:138 - 139
(2) تقريرات المجدد الشيرازي 4: 116 - 117
(3) كتاب القضاء للشيخ الآشتياني: 99