فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 26

بالمعروف والنهى عن المنكر من أوسع الواجبات الفردية والجماعية. فيجب على الفرد بموجب النصوص الشرعية أن يكون دائما آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر. وكذلك الدولة والمجتمع. وقد ورد الأمر بالقيام بهذا الواجب بصيغة التأكيد في حديث نبوي رواه الإمام أبو داود. وهو قوله عليه السلام: والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم (19) . وتدل هذه النصوص الصريحة على أن التعبير عن الرأي الحق يعتبر واجبا شرعيا في بعض الحالات، بدل أن تكون حرية محضة يمارسها من شاء ولا يمارسها من لم يشأ.

ومن أبواب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مسئولية عامة الناس وفريضتهم في مراقبة أولياء الأمور والتعاون معهم واطاعتهم في كل معروف، ونصيحتهم وتقويمهم إن زاغوا عن سواء السبيل. ومن هنا قول الصديق رضى الله عنه: إن أحسنت فأعينونى وإن زغت فقومونى (20) . ولا شك أن تقويم سلطان زائغ لا يمكن إلا إذا توفرت الفرص للحرية عن التعبير. ولابد للقيام بهذه الوظيفة أن تكون هناك حريات متوفرة وفرص متاحة لهذه المهمة الاصلاحية والتصحيحية التي تقوم بها الامة لتقويم أولياء الأمور وتسديدهم في حالة زيغهم. ومن هذه الوسائل حرية التعبير وحرية الاعلام، وحرية الكلمة، وكل ذلك في حدود الشريعة والنظام العام.

هذا المجهود الفردى والجماعى لابد منه للحفاظ على إسلامية المجتمع وعلى قواعده الاخلاقية وأسسه الدينية. لان الناس إذا تساهلوا في أداء هذا الواجب فهم يشاركون في عملية تقويض دعائم المجتمع الإسلامى، الذي يقوم على اسس من المبادئ الاخلاقية والقواعد الدينية. والتساهل في اداء هذا الواجب والتكاسل في القيام بهذه المهمة لا يعنى الا التغافل عن اداء فريضة التواصى بالحق والتواصى بالصبر. والذين يتغافلون عن اداء هذا الواجب فهم في خسران دائم بصريح النص القرآنى (21) . ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك ان يعمهم الله بعقاب منه (22) . وذلك لان المعصية إذا اخفيت لم تضر الا صاحبها، ولكن إذا ظهرت فلم تنكر أضرت العامة. وجاء بهذا المعنى قول الصديق رضى الله عنه: ان الناس إذا رأوا الظالم فلم ياخذوا على يديه اوشك أن يعمهم الله بعقاب (23) .

ويجدر هنا أن نشير أن الأمر بالمعروف أسهل من النهى عن المنكر، وذلك لأن المعروف معروف عادة بين المسلمين. ولا تتفاوت مداركهم ولا تختلف آراءهم اختلافا كبيرا في تحديد المعروف. ولكن تدلّ التجربة التاريخية للفرق الإسلامية وانحرافاتها الفكرية أن هناك تفاوتا كبيرا في مدارك الناس لمعاني المنكر. ويعتبر كثير من المتحمسين أدنى اختلاف من رأيهم منكرا. ويظنون أن كل رأى ارتآه قادتهم، وكل قول أخذ بهم علماءهم، هو الحق الحقيق بالأخذ. وما سواه باطل منكر يجب أن يحارب.

وهذا الخطأ الفادح سبب كثيرا من المشاكل للأمة الإسلامية في ماضيها وحاضرها. فثار غلاة الخوارج على كبار الصحابة وخطّأوهم وكفّروهم بسبب هذا الخطأ، وكذلك نرى أن غلاة المتسلفين وغلاة الثوريين في عصرنا الحاضر لا يبالون بتكفير كل من خالفهم في رأيهم، ولا يتردد شبابهم في تخطئة أكابر هذه الأمة بناء على اجتهادات كبراءهم. وهذا كله بسبب جهلهم أو عدم مبالاتهم بمعنى المنكر والإنكار وشروط المنكر والاستنكار. فمن شروط المنكر، كما أشار حجة الإسلام الإمام الغزالي، أن يكون كونه منكرا معلوما بغير اجتهاد. فكل ما هو محل اجتهاد فلا حسبة فيه، أي لا إنكار فيه بناء على قواعد الحسبة، فليس للحنفي أن ينكر على الشافعي أكل الضب والضبع ومتروك التسمية، ولا للشافعي أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت