والخلاصة أن تصكيك الديون وتوريقها وسند ردها لأجل المداولة غير جائز شرعًا، ومن هنا فلا يجوز تصكيك ديون المرابحة، أو الاستصناع أو نحوهما، ولا يمكن الاستفادة في هذا المجال مما ذهب إليه بعض الفقهاء (مثل ابن تيمية وابن القيم) حيث انهما يشترطان أيضًا (مثل الجمهور) في أن التصرف في الديون إنما يجوز إذا لم يترتب عليه ربا الفضل، أو ربا النسيئة، ولكن يمكن الاستفادة من مذهب مالك في جواز إصدار سندات بيع دين السلم (من غير الطعام) .
كما يمكن إصدار سندات للديون بالأعيان، أي بيع الدين بالعين. وقصدي من ذلك أنه لا يجوز أن يكون غرضنا هو الاتباع لما عليه المؤسسات التقليدية في كل ما لديهم، حيث إن هناك بعض الآليات ليس لها شبيه في الفقه الإسلامي الذي له خصائصه ومقوماته فعلى ضوء ما سبق يمكن:
1)إصدار سندات للديون ويتم تداولها بالأعيان والسلع، وهذا وإن لم يحقق كل أغراض السندات، ولكن يحقق نسبة جيدة منها، فيمكن أن يتم تداول هذه السندات في أسواق السلع والمعادن والأعيان.
2)إصدار سندات في دين السلم في غير الطعام على ضوء المذهب المالكي وأحمد في رواية رجحها شيخ الإسلام ابن تيمية،.ويمكن للبنوك الإسلامية أن تطور هذين النوعين من السندات فيما بينها.
3)إصدار صكوك المقارضة، والإجارة ونحوهما من البدائل الإسلامية بضوابطها الشرعية.
الطريقة الثانية: نقل الأصول (الديون) عن طريق التجديد:
وهي تحويل الديون الأصلية كلها، أو بعضها (محل التوريق) بكل حقوقها إلى ديون أخرى جديدة من خلال إصدار سندات الدين بنفس الآجال والفوائد من خلال استعانته بجهة متخصصة للإصدار تقوم بهذه العملية مقابل رسوم تأخذها من الدائن، أو المدين أو من كليهما حسب الاتفاق ـ كما سبق ـ.
وهذه الطريقة تحتاج إلى موافقة جميع الأطراف ذات الصلة بالقرض.
وقد نظمت القوانين الوضعية عملية التجديد، وشروطه والآثار التي تترتب على التجديد، فقد نصت المادة 353 من القانون المدني المصري، والمادة 351 من القانون المدين السوري، والمادة 340 من القانون المدني الليبي والمادة 322 من القانون اللبناني على شروط التجديد المتمثلة في تعاقب التزامين صحيحين (قديم حل محله جديد) واختلاف ما بين الالتزامين، ونية التجديد [1] .
ونصت المادة 352 على أنه:(يتجدد الالتزام:
أولًا ـ بتغيير الدين ....
ثانيًا ـ بتغيير المدين ....
ثالثًا ـ بتغيير الدائن إذا اتفق الدائن والمدين، وأجنبي على أن يكون هذا الأجنبي هو الدائن الجديد).
وقد نصت على مثلها المادة 350 من القانون المدني السوري، والمادة 339 من القانون المدني الليبي، والمادتان 401، 402 من القانون المدني العراقي، والمادة 323 من تقنين الموجبات والعقود اللبناني.
والذي يتعلق بموضوعنا هنا هو ما ذكره في البند"ثالثا"حول تغيير الدائن.
فعلى ضوء ذلك فإن الدائن الجديد يكون الشخص الثالث إضافة إلى الدائن والمدين، وبالتالي فيجب إذن اتفاق الأطراف الثلاثة، لأنه ينشأ منه التزام جديد، حيث يتفق المدين مع الدائن القديم على انقضاء الالتزام السابق، ويتفق مع الدائن الجديد على إنشاء الالتزام الجديد الذي يحل محل الالتزام السابق من حيث إن الدائن قد تغير [2] .
إذن فإن التجديد هذا يختلف عن حوالة الحق، والحلول الاتفاقي من حيث إن التجديد لا يتم إلاّ بالاتفاق بين المدين والدائن القديم والدائن الجديد، وأما حوالة الحق فإنها تتم باتفاق بين الدائن القديم والدائن الجديد دون حاجة إلى رضاء المدين، بل يكفي إعلانه بالحوالة لا لانعقادها بل لتنفذ في حقه، لأن الحق الذي انتقل إلى الدائن الجديد في حوالة الحق هو نفس الحق الذي في ذمة المدين، فليس هناك حق جديد يلتزمه المدين حتى يحتاج إلى رضائه به، وأن كل ما حدث هو أن دائنه قد تغير، وهذا ليس من الخطر حتى يستلزم رضاءه، وأما التجديد بتغيير الدائن فهو يقتضي انقضاء دين قديم، وأن يحل محله دين جديد شغل ذمة المدين فلا بدّ لانعقاد هذا الدين الجديد من موافقة الأطراف الثلاثة.
وفي الحلول الاتفاقي نرى أن دائنًا جديدًا يحل محل دائن قديم في نفس الدين فالحلول من هذه الناحية يتفق مع حوالة الحق، ويختلف عن التجديد، لكن الحلول يتضمن وفاء الدين من جهة وانتقاله إلى دائن جديد من جهة أخرى، وبالتالي فلا يقتضي إلاّ اتفاقًا بين طرفين اثنين لا بين الأطراف الثلاثة، فأما أن يتفق الدائن الجديد مع الدائن القديم على أن يوفيه الدين ويحل محله فيه، أو يتفق مع المدين على الوفاء بالدين للدائن القديم وعلى قبول المدين إياه دائنًا جديدًا محل الدائن القديم، فأحد الطرفين في الحلول إذن هو الدائن الجديد، والطرف الثاني إما أن يكون الدائن القديم، أو أن يكون المدين [3] .
فالعنصر الجوهري في الفرق بين التجديد والحلول، وحوالة الحق هو نشوء التزام جديد في التجديد، وعدم نشوئه في الأخيرين، ومن حانب آخر فإن الحق في حوالة الحق، والحلول لا ينقضي بل ينتقل بمقوماته وصفاته ودفوعه، وتأميناته من دائن قديم إلى دائن جديد، في حين أن الحق الأصلي في التجديد لا ينتقل بل ينقضي بمقوماته وصفاته، ودفوعه وتأميناته، ويحل محله حق جديد بمقومات وصفات ودفوع وتأمينات أخرى.
لذلك فالتجديد لا يقابل لا بالحوالة، ولا بالحلول، وإنما يقابل بالوفاء بمقابل، يقول الأستاذ السنهوري: (إن الفرق بين النظامين هو أن الوفاء بمقابل يقتضي أن تنتقل الملكية فورًا إلى الدائن حتى يتم الوفاء، وأما في التجديد بتغيير الدين فالوفاء يكون عن طريق إنشاء التزام جديد لا يكون واجب التنفيذ فورًا) [4] .
ومن هنا فإن موافقة جميعا لأطراف في التوريق عن طريق التجديد تعتبر في القانون الانجليزي عقبة في حالة حشد ديون قروض مجمعة حيث يتطلب تراضي عدد كبير من المدينيين مع الدائن القديم (البنك البادئ للتوريق) والدائن الجديد ( S.P.V) أو
(1) د. السنهوري: الوسيط ط. دار احياء الثراث العربي 1958 (3/ 815) وقد ذكر مجموعة من أحكام القضاء حول هذه الشروط
(2) السنهوري: الوسيط (3/ 826) ومصادره
(3) المصدر السابق (3/ 844)
(4) المصدر السابق (3/ 488 - 845)