فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 38

وأما الأنف فظاهر أيضًا، ويدل عليه الحديث المشهور عن لقيط بن صبرة - رضي الله عنه -، أن النبي - قال: (بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا) [1] ، فدلّ على أنه منفذ للحلق.

المنافذ عند الحنفية:

يرى الحنفية أن المنافذ المعتبرة، هي المخارق الأصلية: الفم، والأنف، والأذن، والدبر، وأخرجوا العين [2] .

وذهب لهذا بعض المعاصرين [3] .

المنافذ عند المالكية:

ويرى المالكية أن المنافذ المعتبرة، هي المنافذ العالية سواءً كانت واسعة أم لا: كالفم، والأنف، والأذن، ومسام جلد الرأس. وكذلك المنافذ السافلة، لكن يشترط فيها أن تكون واسعة: كالدبر، وقبل المرأة. بخلاف الإحليل والجائفة وهي الخرق الصغير [4] .

المنافذ عند الشافعية:

أما الشافعية فيرون المنافذ المفتوحة هي المعتبرة، فيخرجون مسام الجلد [5] .

المنافذ عند الحنابلة:

ولم أقف للحنابلة على وصف، وإنما على عدّ، ولا يرون تلازمًا بين اعتبار المنفذ، وكونه منفذًا معتادًا، ولذا أدخلوا في المنافذ: العين، والأذن، والدبر.

بل جعلوا مداواة الجرح، وغرز آلة في الجوف، منفذًا يفطر الداخل منه [6] .

المنافذ عند الظاهرية:

وعند داود الظاهري أن المنفذ المعتبر في الصيام (الفم) فقط [7] .

قال ابن حزم: (إنما نهانا الله تعالى في الصوم عن الأكل، والشرب، والجماع، وتعمّد القيء، والمعاصي، وما علمنا أكلًا ولا شربًا يكون على دبر، أو إحليل، أو أذن، أو عين، أو أنف، أو من جرح في البطن، أو الرأس، وما نهينا قط عن أن نوصل إلى الجوف بغير الأكل والشرب ما لم يحرم علينا إيصاله) [8] .

ترجيح الباحث:

إن تحديد المنافذ المعتبرة في الإفطار، مرتبط بما قدمناه سابقًا، في تحديد دائرة الإفطار، في الأكل والشرب، حقيقة وحكمًا.

فما كان داخلًا عن طريق المنفذ الأصلي (الحلق) ، سواءً كان من الفم أو الأنف، فهو مفطر، ويكون منفذا معتبرًا.

وأرى أن (الاعتياد) متلازم مع (الاعتبار) ، فما كان منفذًا معتادًا للطعام والشراب، كان منفذا معتبرًا يتعلق به الحكم الشرعي في الإفطار.

كما أن رأي الطب الحديث لا بد أن يجري مجراه هنا، ولذا فإني أوافق بعض الأصوات الغيورة التي نادت بأن القطع الطبي باعتبار هذا الشيء منفذًا أم لا، يرفع الخلاف المتقدم عند الفقهاء [9] .

وتأسيسًا على ذلك، فإن الأذن، والعين، والإحليل (مخرج البول من الرجل والمرأة) ، وقُبُل المرأة، والدبر، ومسام الجلد من جميع الجسد؛ ليست منافذ معتبرة للإفطار.

-هل الأوردة الدموية من الجوف المعتبر، أو المنافذ المعتبرة؟

هذا سؤال أفرزته الحياة المعاصرة، والتقدم الطبي الحديث، في وجود الحقن والعقاقير الطبية، وقد طرح هذا التساؤل أحد الباحثين [10] ، ويطلب إجابة الطب المعاصر فيه، ولم أقف على من أجاب عنه.

ومن خلال العرض السابق، يمكن أن أسجل هنا رأيًا، من باب التفقّه والتنظير، لا الجزم والتقرير، وهو أن هذه الأوردة ليست داخلة في مفهوم الجوف [11] في باب

(1) أخرجه أبو داود (142) ، والترمذي (788) ، والنسائي (87) ، وابن ماجه (407) ، وأحمد (4/ 32، 33) ، وله طرق، وروي مختصرًا ومطولًا، ولذا تجده مفرقًا في أكثر من موضع في مصادر التخريج. وقد صححه جمعٌ من الحفاظ، منهم: الترمذي، وابن خزيمة (1/ 78) ، وابن حبان (3/ 333) ، والحاكم (1/ 147) ، وابن الجارود (80) ، والبغوي وابن القطان (كما في التلخيص الحبير 1/ 81) ، والنووي (شرح مسلم 3/ 105) ، وابن حجر (الإصابة 5/ 685) .

(2) بدائع الصنائع (2/ 93، 106) .

(3) الشيخ مصطفى الزرقا، ووصفها بأنها (منفذ خَلْقي) . ينظر: فتاوى مصفى الزرقا (ص173) .

(4) ينظر: حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير (1/ 523، 524) .

(5) ينظر: المجموع (6/ 321) .

(6) ينظر: الفروع (5/ 5 - 7) .

(7) نقله عنه ابن مفلح في الفروع (5/ 5) قوله: لا يفطر بواصل من غير الفم؛ لأن النص إنما حرم الأكل والشرب والجماع.

(8) المحلى (6/ 214) .

(9) ينظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد العاشر (2/ 404) مداخلة د. عبد السلام العبادي.

(10) ينظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد العاشر (2/ 363) ، وقارن مع: (2/ 395) .

(11) أخرج النسائي (5668) وغيره، عن ابن عمر قال: (من شرب الخمر فلم ينتشِ، لم تقبل له صلاة ما دام في جوفه أو عروقه منها شيء) . ولا يظهر لي أن المقصود بالعروق هنا (الأوردة الدموية) كما هو المصطلح الطبي، وإنما بطن الإنسان وأمعاؤه، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت