فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 38

وهذا وما قبله فيما يبدو أن المراد منه هنا بطن الإنسان، إشارةً إلى إباحة المطعم [1] .

والذي يظهر من خلال التأمل في النصوص النبوية السابقة، أن المقصود بذلك في الأغلب: القلب، وأطلق عليه الجوف مجازًا، أو هو كل ما كان مُجوّفًا.

والذي أميل إليه في هذا المقام: أن الجوف في اصطلاح الشارع له استعمالات متعددة، ومن تلكم الاستعمالات؛ أنه يُطلقه على بطن الإنسان.

والذي يحدد المراد؛ السياق وقرائن الحال.

ولهذا نظائر في الشريعة [2] .

وهذا أيضًا ما أَستظهِرُه من صنيع الفقهاء، رحمهم الله، فإن ما يعنونه بـ (الجوف) في باب الصيام، يختلف عنه في باب الحيض، أو باب الرضاع، أو باب الجراح والجنايات، وهو ما يسمى بـ (الجائفة) ، وفي جميع هذه الأبواب يستعملون مصطلح (الجوف) .

وبذا تعلم ما وقع لبعض الباحثين [3] من خلط في تحديد مفهوم الجوف، فظن أن مرادهم واحد، وليس هذا ظاهرًاَ في نظري، والله تعالى أعلم.

على أنه لا حاجة لمُجاراة الفقهاء في تحديد مسمى الجوف، إذ هو من تعبيراتهم التي لم يسبقوا إليها بنص شرعي، فلا نُحاكم تفسير ألفاظهم للنصوص الشرعية.

وهذا ما دعا بعض الباحثين [4] ليتساءل عن مستند ربط الإفطار بالجوف من أساسه، وتشدد بعضهم فرفض هذه العلة، لعدم الدليل عليها من قرآن أو سنة [5] . وقد توسط آخرون [6] فقالوا: وإن لم يرد فيه نص، إلا أنه هو المفهوم عرفًا من عنصري الأكل والشرب، وإذا لم يكن ورد بلفظ (الجوف) ، فلا نتقيد به، وإنما نلتزم بحقيقة الطعام والشراب.

وهذا هو القول العدل في نظر الباحث، وهو الذي يتماشى مع ما قررناه آنفًا، من الاقتصار على أصل المفطرات وما يدخل في حكمها.

ويبدو أن هذا ما دعى الفقهاء رحمهم الله إلى اعتماد الجوف مناطًا للفطر، لالتصاقه بمعنى الأكل والشرب. وعند التأمل في أقاويلهم ومقارنتها، نرى أنهم في الغالب

(1) هذا أحد القولين، وقيل: المراد القلب وما وعى من معرفة الله تعالى والعلم بحلاله وحرامه، والأول أظهر. ينظر: غريب الحديث لأبي عبيد (2/ 117) .

(2) قال ابن تيمية (الفتاوى 19/ 247) : (لفظ(الكعبة) هو في الأصل اسم لنفس البنية، ثم في القرآن قد استعمل فيما حولها، كقوله: (هديا بالغ الكعبة) ، وكذلك لفظ (المسجد الحرام) يعبر به عن المسجد وعما حوله من الحرم، وكذلك لفظ (بدر) هو اسم للبئر، ويسمى به ما حولها، وكذلك (أحد) اسم للجبل ويتناول ما حوله .. ).

وذلك ضمن فصل جامع نافع في (الأسماء التى علق الله بها الأحكام في الكتاب والسنة) . ينظر: مجموع الفتاوى (19/ 235 - 260) ، يحسن مطالعته، فقد ذكر في مثانيه جملة من الأمثلة على ذلك.

(3) ينظر: مفطرات الصيام المعاصرة، د. أحمد الخليل (ص16 - 31) .

(4) ينظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد العاشر (2/ 405) ، مداخلة د. صالح بن حميد.

(5) ينظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد العاشر (2/ 380) ، مداخلة الشيخ الصديق الضرير.

(6) ينظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد العاشر (2/ 379) مداخلة الصديق الضرير (وفي مداخلته مبالغة لا يوافق عليها، وهي جعل جميع مقدمات الجماع في حكم الجماع؛ لدخولها في مسمى الرفث، وقد رد هذه المبالغة عدد من المداخلين) ، و (2/ 387) مداخلة الشيخ السلقيني، (2/ 405) ، مداخلة علي التسخيري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت