هذه القاعدة التي حوتها خطبة أبي بكر رضي الله عنه لا توازيها على إيجازها أية مواثيق حتى يومنا هذا، وأبرز ما فيها حماية الحريات الدينية، وذلك بالتوجيه إلى عدم التعرّض للمتفرغين للعبادة في الصوامع.
أما سبب التوسع في أمر استخدام القوة، والمقاومة، وأنه عند جهاد الدفع يصبح الجهاد فرض عين فإنه تلك الأصوات التي تخرج بين حين وآخر تطرح فلسفات للتخاذل زاعمة أنها سلام، والحقيقة أنها استسلام للمحتل والمعتدي، وأرى مناسبًا أن يتم التذكير بفتوى أعلنها المرحوم مفتي لبنان الأسبق محمد توفيق خالد في 21 محرم سنة 1367هـ الموافق فيه 4/ 12/1947، وكانت الفتوى بشأن مشروع العدو في اغتصاب فلسطين، والفتوى يمكن اعتمادها لأية حالة احتلال واستعمار أخرى.
قال المرحوم المفتي محمد توفيق خالد:"إن المسلمين ودينهم دين محبة وسلام تذرّعوا بكل وسائل الحقّ والحجّة والبرهان ليثبتوا المسؤولين في العالم أن فلسطين ملك لأهلها العرب، مسيحيين ومسلمين، وأنه لا يجوز اغتصابها منهم وتسليمها لشذّاذ الآفاق من الصهيونيين. ولكن أكثرية الدول في الأمم المتحدة أصمّت الآذان عن هذه الدعوة الحقّة، وأعرضت عن نداء الإسلام والعقل الذي وجهه العرب، فلم يعد للعرب والمسلمين من سبيل إلا القوة في الدفاع عن الأرض التي أورثهم إيّاها الله سبحانه وتعالى."
والخطر الصهيوني الذي عرضت له هذه الهيئة بقرارها الأثيم فلسطين العربية، خطر يتهدد أبناءها مسيحيين ومسلمين في قوميتهم، ودينهم، ولغتهم، وأرضهم وأموالهم، وحياتهم، ومستقبلهم، وهو يهددّ في الآن ذاته كل ما جاور هذا البلد المقدس من أخطار لأن مطامع الصهيونية المجرمة لن تقف عند حدود فلسطين، بل ستتعداها إلى كل ما يمكن أن تصل إليه يدها من ديار العرب ومرافق حياتهم.
وأمام هذا الخطر الساحق، هذا الخطر المحقق، يتوجب على كل مسلم أن يجاهد بالنفس والمال في سبيل إنقاذ فلسطين، وفيها المسجد الأقصى أولى القبلتين وثاني الحرمين ومنتهى إسراء خاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه. والجهاد فرض عين يقدم فيه نفسه كل من استطاع إليه سبيلًا. ويقدّم ماله وجهده كل من اضطر للتخلف عن صفوف المجاهدين بالنفس. وتقدم فيه خدماتها في سبيل الإسعاف والتمريض ومؤاساة الجرحى والمصابين كل امرأة تقدر على ذلك. ذلك هو السبيل الوحيد الذي يقضي به الله عز وجل وتوجيه تعاليم الشريعة الحنيفة لإنقاذ هذه الديار المقدسة."وقد حملت الفتوى الرقم (563) في سجلات دار الفتوى وبالتاريخ المذكور سابقًا."
هذه الفتوى هي الحكم الشرعي المطلوب التزامه هذه الأيام حيث الإحتلال قد توسع إلى أكثر من فلسطين، وكذلك القواعد العسكرية الأجنبية، ومؤسسات الأجنبي التي تمارس التخريب والتسلط والسيطرة.
أما في الشأن الداخلي حيث نجد حالات من نشر الفتن التي يمارسها قبيل من أبناء الأمة مالوا عن الوسطية إفراطًا أو تفريطًا، وهؤلاء لا سبيل لردعهم، ووقف أذاهم سوى القصاص من قبل الحكومات كي يبقى الأمن مستقرًا ومستتبًا. وفي الحديث النبوي:"إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن."
إن حرية المواطن الفرد لا تتحقق دون حرية الوطن والأمة، ودون استقلال ناجز لذلك لا جدوى من حديث عن الحريات العامة إن لم يلحظ الوجهين معًا: الحرية الفردية والحرية الجماعية، لا بل الثانية أولى لأن أمة حرة توفر الحرية لأفرادها، أما إذا كان هناك أفراد يتمتعون بالحريات الشخصية فلا يقود ذلك ضرورة إلى توفير الحرية للجميع، وذلك مقدمة للأمن والاستقرار.
بعد الأمن يأتي العامل الثاني وهو قاعدة قوة المجتمع والأمة ألا وهو الاقتصاد.