التنازع، وارتكاب المظالم، والتنكر للحق، والاعتداء على الحريات ... على هذا اعترف الإسلام بالحرب، واتخذها حيث لا تنفع الحجة والبرهان وسيلة عملية لمكافحة البغي وردّ العدوان، وإزالة العقبات والقضاء على المفاسد والطغيان ... اعترف الإسلام بالحرب في تلك الدائرة وجعلها ذروة سنامه، وأفرغ عليها صبغة جهاده في سبيل الله، يقيم بها العدل والميزان، ويمهد بها سبيل الحياة الطيّبة السعيدة، وحينما يصل المسلمون بالحرب إلى هذه الغاية أوجب أن تضع الحرب أوزارها، وواجب الكف عنها."90"
إن الحرب حاجة لدفع ظلم أو عدوان؛ قال تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} . 91 والقتال في الإسلام له مقاصد أبرزها وقف العدوان على الدين، أو على المقدسات، أو على حقوق المؤمنين، أو منعًا لنشر الدعوة، ومنها منع كل فتنة والأخذ على يد دعاتها إنقاذًا للمجتمع من نارها، وإذا تحققت المقاصد يكون الواجب وقف الحرب؛ قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَوا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ} . 92
لكن ذلك لا يعني أن تكون الحرب دفاعية كما فهم بعضهم من ظاهر النص بل الحرب يجب أن تدار وفق الإمكانات والظروف، فقد تكون دفاعية، وقد تكون هجومية، وقد يجنح المسلمون إلى الهدنة، وهذا مستفاد من مسار المواجهات مع الأعداء منذ بداية الدعوة إلى الإسلام. وقد قال الله تعالى: {فالمغيرات صبحًا} . 93 وهذه حرب هجومية ومثلها ما كان من غزوات وسرايا في زمن النبوة، وهناك الحديبية وهي هدنة، وهناك وقعة الخندق أو الأحزاب يوم تحصّن المسلمون في المدينة وهذه حرب دفاعية.
وقد كان الجهاد ذروة سنام الإسلام، لأن الدين والمقدسات والأوطان وسائر الحقوق مع الكرامات لا تحفظ بالضعف، والحقوق لا تستجدى، لذلك كان كل فرد حرًّا في الدفاع عن نفسه فردًا، والقتال جهادًا مع بني أمته حال جهاد الطلب، وهو فرض كفاية، وعليه الخروج إلى المقاومة والمواجهة مجاهدًا دون استئذان أحد إذا أصبح العدو داخل البلاد، وكان الجهاد فرض عين؛ كما الحال في واقع الأمة المعاصر، ويكون شهيدًا عندما يسقط في ساحات الإعداد والمواجهة. ففي الحديث النبوي الشريف:"عن سعيد بن زيد، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من قُتِل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتِل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتِل دون دمه فهو شهيد، ومن قُتِل دون أهله فهو شهيد."94
إن ما تقدم يبيّن بشكل قاطع موقع المواجهة والقوة في تحقيق الأمن وانتفاء الخوف، ولا تحرر الأرض والمقدسات، ولا تسترد سائر الحقوق، ولا يمتنع العدوان إلا عندما تنتصر الأمة على الأعداء وتصنع الرعب لهم ضمن أصول الحرب المرعية الإجراءات، وللحرب في الإسلام أخلاقيات منها ما ورد عند الإمام مسلم في صحيحه:"كان رسول الله صلى الله عليه وسم إذا أمّر الأمير على جيش أو سريّة أوصاه في خاصته بتقوى الله تعالى، وبمن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال له:"
أغزوا باسم الله، في سبيل الله، وقاتلوا من كفر بالله، أغزوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا.""
ويأتي في سياق آداب الحرب ذلك التوجيه الذي أعطاه الخليفة أبو بكر رضي الله عنه، يوم جهّز أول جيش بقيادة أسامة بن زيد رضي الله عنه، وقد قال يومها للجيش:
"لا تخونوا، ولا تغدروا، ولا تغلّوا، ولا تمثّلوا، ولا تقتلوا طفلًا، ولا شيخًا كبيرًا، ولا امرأة، ولا تعقروا نخلًا أو تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرًا إلا لمأكله، وسوف تمرّون بأقوام قد فرّغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرّغوا أنفسهم له."95