إن الوقوف عند الأمن والاقتصاد سببه أن أي دولة حصينة أو مجتمع مستقر لا يقوما إلا إذا توافر أمن مستتب واقتصاد قوي لذلك كان التوجيه الرباني إلى هذا في موقعين من النص القرآني هما قوله تعالى: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشّر الصابرين} . 82 {فليعبدوا ربّ هذا البيت * الذي أطعمهم من جوعٍ وآمنهم من خوف} . 83
فبلاء الخوف يعالج بالأمن، ومنع العدوان والظلم والاستبداد وكل أشكال الإحتلال الأجنبي، والجوع والفقر علاجهما بالتنمية الاقتصادية وتوافر فرص العمل، وتأمين الكفاية لكل أبناء المجتمع.
إن الأمن قد يُفقد بسبب فوضى داخلية وحالات إجرام وعصيان من قبل أفراد أو عصابات ومجموعات، وقد يُفقد الأمن بسبب عدوان خارجي يهدد وطن الإنسان وأمته بالاحتلال، والتدمير، والاغتصاب، والسلب والتهجير، والقتل، والأسر، وما شابه ذلك من أشكال العدوان.
لذلك كان وجود السلطان والدولة ضرورة، وأن تمتلك الدولة القوة التي تحفظ أمن المواطن وتصون حرياته وحرماته في الداخل، وتدفع أي خطر خارجي، أو عدوان يقوم به طامع مستعمر.
لقد أمر الله تعالى بالإعداد، والسعي لامتلاك القوة، وفي الآية الكريمة: {وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّةٍ ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوّكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوفَّ إليكم وأنتم لا تظلمون} . 84
الأمر بالإعداد عام يشمل كل أنواع القوة ووسائلها، وهو مطلوب من الجميع كلّ حسب قدرته، وغير محددة بمكان أو زمان لأنه قد يكون هناك أعداء لا يعلمهم العباد لذلك يكون الواجب أن أمر الإعداد للقوة ماضٍ إلى أن يشاء الله تعالى أمرًا غير ذلك.
وفي الحديث النبوي الشريف جاء تحديد القوة:"عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول: وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة، ألا إنّ القوّة الرّمي، ألا إن القوّة الرمي، ألا إن القوة الرمي."85
وفي حديث نبوي آخر:"عن سلمة بن نفيل الكندي قال: كنت جالسًا عند سول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجل: يا رسول الله أذال الناس الخيل ووضعوا السّلاح، وقالوا: لا جهاد قد وضعت الحرب أوزارها؛ فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه، وقال: كذبوا، الآن جاء القتال ولا يزال من أمتي أمة يقاتلون على الحقّ ويزيغ الله لهم قلوب أقوام ويرزقهم منهم حتى تقوم السّاعة، وحتى يأتي وعد الله."86
وفي حديث نبوي ثالث؛ قال صلى الله عليه وسلم،"كل شيء يلهو به الرجل باطل إلا رَمْيَه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، فإنه من الحق."87 وقد قال القرطبي في تفسيره معلقًا:"ومعنى هذا والله أعلم: أن كل ما يتلهّى به الرجل مما لا يفيده في العاجل ولا في الآجل فائدة، فهو باطل، والإعراض عنه أولى. وهذه الأمور الثلاثة، فإنه وإن كان يفعلها على أنه يتلهّى بها وينشط، فإنها حقّ لاتصالها بما قد يفيد، فإن الرّمّي بالقوس، وتأديب الفرس جميعًا من تعاون القتال. وملاعبة الأهل قد تؤدي إلى ما كان عنه ولد يوحد الله، فلهذا كانت هذه الثلاثة من الحقّ."88 قال الله تعالى: {كلا إن الإنسان ليطغى} . 89
إن الإنسان قد تسوّل له نفسه الطغيان والاستبداد على سواه إن على مستوى الأفراد أو المجموعات أو الأمم لذلك كانت الحرب ضرورة من أجل منع الظلم، وحفظ الأمن، وصيانة الحقوق والكرامات. قال الإمام محمود شلتوت:"وما كان للإسلام، وهو دين عملي واقعي، أن يتجاهل سنّة الاجتماع البشري، التي كثيرًا ما يندفع بها الناس إلى"