وبالعلم والتفكّر يهتدي الناس إلى نور الله، ويعرفون قدر الله تعالى وقدرته، وبالعلم يتفقهون ويجتهدون.
كذلك كان الخطاب الإلهي الأول وحيًا إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم مؤكدًا على العلم وأهميته وحقّ الإنسان في تحصيله، والعمل إلى الابتكار من خلاله، فالآيات الأولى التي حملها جبريل عليه السلام هي قوله تعالى: {اقرأ باسم ربّك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربّك الأكرم * الذي علّم بالقلم * علّم الإنسان ما لم يعلم} . 75 فهذه الآيات ورد فيها فعل الأمر"اقرأ"مرتين، و"علّم"ورد مرتين وبصيغة المضارع"يعلم"مرة، ومعهم"القلم"، والتذكير بالخلق، خاصة خلق الإنسان وهذا محفّز للبحث، والسعي لتحصيل المعرفة، كل هذا وغيره كثير مما جاء بشأن تكريم العلم والعلماء، ومنه الحديث النبوي الشريف:"العلماء ورثة الأنبياء"76؛ يبيّن بأن الحرية العلمية ضرورة للفرد والمجتمع، لأن العلم يبني والجهل يدمر ويخرب.
وضمن الإسلام حريات وحقوق أخرى عديدة منها حرية الإنسان في داره فلا أحد يحق له أن يدخل منزله إلا بعد أن يستأنس ويستأذن. قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلّكم تذّكّرون * فإن لم تجدوا فيها أحدًا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم} . 77 وحرمة المنزل هذه مضمونة لجميع الناس، والآية عامة وليست خاصة بالمسلمين، ودخول منازل الآخرين يشمل عدم دخول صوت مذياع أو تلفاز أو بوق سيارة، أو كلامًا بصوت مرتفع، أو برامج من خلال الشاشة الصغيرة، أو شبكة المعلومات قد تؤذي أحد أفراد الأسرة، فكل دخول حسّي أو غير حسّي إلى دور الآخرين غير مسموح إلا إذا سمح صاحب الدار.
كما أن لكل شخص خصوصيات له حقّ الحفاظ على سريتها، ولا يحق لأحد اختراق منظومات الآخرين الإجتماعية، ولا ما يخصهم من الأمور الإجتماعية أو الحياتية عمومًا، وقد نهى الله تعالى عن تتبع أخبار وأمور الآخرين، ونهى كذلك عن تناولهم غيابيًا بأي كلام ما خلا الإطراء والصيت الحسن.
قال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضًا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم} . 78
ومن حقّ الإنسان أن يدافع عن كرامته وعرضه وماله، وحريته في ذلك مضمونة والإثم على المعتدي. وفي الحديث النبوي الشريف:"أيما رجل اطّلع عليك بغير إذنك فحذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك جناح."79
وفي حديث نبوي آخر أن رجلًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله:"يا رسول الله، أرأيت إذا أراد رجل أن يأخذ مالي؟"
فقال رسول الله: لا تعطِهِ. قال: إذا قاتلني، قال: قاتله. قال: أرأيت إذا قتلني، قال: فأنت شهيد. قال: أرأيت إذا قتلته؟ قال: فهو في النار."80"
ومن الحريات المكفولة في الإسلام حق الدفاع عن النفس، وحرية الانتقال والسفر، وحرية اختيار الزوجين لبعضهما، وحرية البيع والشراء والعمل، واللجوء طلبًا للحماية، وهذا حقّ مضمون لكل الناس، قال الله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثمّ أبلغه مأمنه} . 81وتطول القائمة بشأن الحريات والحقوق العامة في الإسلام، لكن سيتوقف البحث عند نوعين من هذه الحقوق والحريات هما: الأمن، والاقتصاد لأنهما ركيزتان أساسيتان في الدولة المنيعة، والمجتمع المستقر.
الحرية والأمن والاقتصاد