وهكذا نرى الحنابلة يأخذون بهذا الأصل في كثير من فروعهم، بل قواعدهم. وإن قاعدتهم في إباحة العقود والشروط إلا ما قام نصّ منعه، وقد وسّع مذهبهم في هذا الباب بما لم يتسع به أي مذهب آخر."72"
إن الكلام عن الاستصحاب يقصد به في هذا الباب حول الحريات الشخصية والعامة القول بأن الحرية أصل، وأن المنع يكون بالنص، خلاف ما يفعل بعض الغلاة والمتشددين. وإذا كان الحنابلة قد توسعوا في اعتماد الاستصحاب، وهم الموصوفون بالتشدد، فلا أحسب أنه يحق لأحد أن يطلب من الناس ما يشقّ عليهم التزامه، أو ما يفوق الوُسْع والطاقة.
إن الحريات العامة التي يكفلها الإسلام هي ما يضمن حق الحرية للفرد والمجتمع، وبما يضمن حق الدولة وحماية الدين والكرامة للجميع، وهي تشمل مختلف الميادين، وقبل الدخول في بعض أنواع ووجوه هذه الحريات نترك للإمام محمود شلتوت تقرير الوجه العام للحريات، ومدى حق التمتع بها.
قال الإمام شلتوت:"وإذا كان الإسلام يقرر الحريات العامة للناس كافة، حرية العقيدة، حرية الرأي، حرية الاستيطان، حرية التملك، حرية التنقل، وكل ما تشمله كلمة حريات، ويرى أن إطلاق الحريات في مصلحة الدولة نفسها بقدر ما هو في مصلحة الأفراد، فإنه يشترط لتمتع كل فرد بحرياته، ألا يكون ذلك عن طريق الطغيان على حريات الآخرين، أو عن طريق الإضرار بمصالح الدين والدولة، فإذا اعتدى فرد على حرية فرد آخر، أو كان تمتّعه بحريته تضرّ بالدين أو الدولة، مثلًا أن يستغل حريته في الطعن على الإسلام، أو إفشاء أسرار الدولة، أو التجسس عليها ونقل أخبارها إلى أعدائها وما شابه ذلك، وجب على الدولة أن تقيّد حرية ذلك الفرد، لأن ذلك هو مصلحته ومصلحة الدين والدولة. ويقابل هذا أن الدولة لا تملك حق تقييد الحريات إلا عن هذا الطريق، فإذا قيّدت حرية شخص ما بلا موجب، فلا طاعة لها عليه."73
الإنسان يعيش في مجتمع، وكل مجتمع فيه مؤسسات تشكل مقومات الدولة، وهذه الدولة تعتمد تشريعات وقوانين تنظم شؤون البلد، وتحدد موقع الفرد وكل مؤسسة في الإطار العام للدولة، والفرد تبقى له حريته ما دامت أفعاله ضمن حقوقه، ولا تشكل تجاوزًا على حقوق سواه، أو أنها تشكل خطرًا على أمن الدولة واستقرارها كأن يثير الفرد فتنة، أو يعبث بالاقتصاد، أو يخرب في مؤسسة ما، عندها لا بد من الأخذ على يده. وبالمقابل إذا كان واجب المواطن الفرد أن يطيع قوانين بلاده وما تقرره دولته، فإن الطاعة تصبح غير واجبة إذا كان في إجراءات الدولة ما هو تعديات على حقوق الأفراد والجماعات، أو ما فيه مخالفة لشرع الله تعالى، عندها يكون التمرد مطلوبًا ولا الطاعة.
أول الحريات العامة المقرّرة إسلاميًا هي الحرية العلمية، وهي أن الإنسان أُعطي نعمة العقل، وهذا العقل أمامه آيات مسطورة في القرآن الكريم، وآثار أهمها مصدرًا السّنّة النبوية الشريفة، ويضاف إلى ذلك كل ما ورد عمّن سبقه في مختلف ميادين المعرفة والفنون والآداب، وأمامه كذلك آيات محسوسة في الكون المنظور الذي يعيش فيه تثير فيه تساؤلات تصاغ في فرضيات تحث على البحث والاختيار والنظر العقلي، ويقتضي ذلك إطلاق الحرية مع توفير الإمكانات والمستلزمات لأن الحرية العلمية هي أساس الإبداع والاكتشاف والابتكار، أما في ظل القمع والمنع فإن الأفكار تجمد، والأبحاث تتعطل، والإبداع ينعدم.
العلم قرين الإنسان المستخلف في الأرض هذه إرادة إلهية. جاء النص القرآني يبيّن ذلك، فبعد البلاغ بأن الإنسان خليفة الله تعالى في الأرض كان قوله تعالى: {وعلم آدم الأسماء كلّها ثمّ عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين} . 74 فمسيرة آدم الأول بدأت مقترنة بالعلم فبه صلاح الفرد وصلاح المجتمعات،