لنفسه في ماله: ... فأما الصغير والمجنون، فلا خلاف في الحجر عليهما. وأما الكبير فلأنه لا يُحسن النظر لنفسه في ماله، ولا يؤمن منه إتلاف ماله في غير وجهٍ، فأشبه الصبي وفيه خلاف."67"
ويكمل القرطبي مبينًا مواقف الفقهاء في تفسيره:"الجامع لأحكام القرآن"وعنده:"واختلفوا في الحجر على الكبير؛ فقال مالك وجمهور الفقهاء؛ يًحجر عليه. وقال أبو حنيفة، لا يُحجر على من بلغ عاقلًا إلا أن يكون مفسدًا لماله؛ فإذا كان كذلك؛ مُنِع من تسليم المال إليه حتى يبلغ خمسًا وعشرين سنة، فإذا بلغها سُلّم إليه بكل حال، سواء كان مفسدًا أو غير مفسد، لأنه يُحبل منه لاثنتي عشرة سنة، ثمّ يولد له لستة أشهر، فيصير جدًّا وأبًا، وأنا أستحي أن أحجر على من يصلح أن يكون جدًّا."68
وإذا كان أبو حنيفة قد حكم بعدم جواز الحجر على من بلغ خمسًا وعشرين سنة من باب احترام إنسانية الإنسان التي لا تتحقق إلا مع الحرية، فقد علّق على ذلك الإمام محمد أبو زهرة قائلًا:"ليس لأحد أن يحجر عليه لأنه ليس لأحد عليه سبيل، وهو صاحب الشأن في ماله ما دام لا ضرر فيه على أحد، ولا مصلحة في أن يحجر عليه ويمنع من إدارة ماله، إذ أن الحجر عليه إهدار لآدميته، وإيذاء لكرامته، فمن الكرامة الإنسانية التي يستحقها الإنسان بمقتضى إنسانيته أن يكون مستقلًا في إدارة أمواله التي يملكها، وأن ينال الخير من تصرفاته الحسنة، وينال مغبّة تصرفاته السّيّئة. ويقرر الإمام الحرّ أن الحجر في ذاته أذىً لا يعدله أذى ضياع ماله ... إذ لا شيء آلم للحر من إهدار إرادته."69
بعد مسألة الحجر، وما جاء به أبو حنيفة لجهة حرية الإنسان الملازمة لكرامته يأتي أمر آخر يؤكد على أن الحرية أصل ما لم يأتِ نص ويمنع أو يحرّم، هذه القاعدة في أصول الفقه أُعطيت اسم:"الاستصحاب". والاستصحاب هو:"البقاء على الأصل فيما لم يعلم ثبوته أو انتفاؤه."70
أما أنواع الاستصحاب فهي:
"أ- استصحاب الإباحة الأصلية للأفعال وللأشياء، فكل ما لا نص على تحريمه فهو مباح، لقوله تعالى في سورة البقرة {29: هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا ثم استوى إلى السماء.} "
ب- استصحاب العدم الأصلي: الأصل أن الإنسان بريء الذمة من كل التزام حتى يقوم الدليل على وجوبه عليه، فمن ادّعى على شخصٍ دينًا، فهو بريء مما ادّعى عليه حتى يقوم الدليل على شغل ذمته به، ومن ادّعى عليه عقدًا، فهو بريء من العقد حتى يثبت التزامه به."71"
استخدم المذهب الحنبلي هذه القاعدة في أصول الفقه أكثر من سائر المذاهب، وهي قاعدة مفيدة لليسر والحرية. وعند الحنابلة كما قال الإمام محمد أبو زهرة:"إن الحكم الثابت يستمر حتى يوجد دليل غيره. وقد أكثر الحنابلة من الأخذ بهذا الأصل، ومن المسائل التي أفتوا بها على أصل الاستصحاب:"
1.الأصل في الأشياء الإباحة، حتى يوجد دليل المنع، ولذلك كان الأصل قي العقود والشروط الإباحة، ووجوب الالتزام بها، حتى يوجد نص يمنع.
2.الأصل في الماء أنه طاهر حتى يوجد دليل على نجاسته.
ج- إذا طلق الرجل امرأته وشكّ في أنه طلّقها واحدة أو ثلاثًا كانت واحدة، لأنها المستيقنة.