فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 12

وهذا النوع من التوريق لا يكون إلا إذا كان الدين الثابت في الذمة المؤجل نقديًا، وتوريق مثل هذا الدين، هو من باب بيع الدين لغير من هو عليه، لأن الدائن بتوريقه الصك قد باعه لغير من عليه الدين بثمن معجل أقل من القيمة المدونة بالصك سواء تم بيعه بثمن من جنس الدين أو من غير جنسه. ففي توريق الدين بثمن معجل أقلّ ومن جنس الدين، يحقق ربا الفضل والنساء، وبتوريقه بثمن من غير جنسه يتحقق ربا النساء، وذلك ما قرره العلماء، حتى المالكية الذين أجازوا بيع الدين لغير من عليه الدين اشترطوا شروطًا للجواز، ومن هذه الشروط وقوع التقابض وهذا منتفٍ هنا، فيكون توريق الدين النقدي ممنوعا لاشتماله على الربا.

والبديل الشرعي للتوريق هو حوالة الحق، يؤيد ذلك ما جاء في الموطأ عن الأمام مالك قال: وإنما نهى سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وابن شهاب عن أن لا يبيع الرجل حنطة بذهب إلى أجل، ثم يشتري بالذهب تمرًا قبل أن يقبض الذهب من بائعه الذي اشترى منه الحنطة، فأما أن يشتري بالذهب الذي باع منه الحنطة قبل أن يقبض الذهب ويحيل الذي اشترى منه التمر على غريمه الذي باع منه الحنطة بالذهب التي له عليه في ثمن التمر فلا بأس بذلك. [1]

توريق الدين الموصوف في الذمة:

ويكون الدين الموصوف في الذمة محددا بمواصفات مانعة من الجهالة والغرر طبقا لمقاييس ومعايير دقيقة معروفة، سواء كانت من المنتجات الزراعية كالحبوب أو الحيوانية كالألبان ومشتقاتها أو غير ذلك من المواد الأخرى، وقد قامت المؤسسات المالية الإسلامية بجعل قيمة تلك العروض التجارية على شكل صكوك أو أسهم، تسمى صكوك المضاربة.

وإذا كان صك المضاربة أو السهم فيها، يمثل حصة شائعة من وعاء المضاربة، ونظرًا لأن وعاء المضاربة قد يكون خليطًا من سلع عينية وديون مرابحات، فإن لكل حالة من هذه الحالات حكمًا شرعيًا يختلف عن غيرها. وذلك على النحو التالي:

الحالة الأولى: إذا كان وعاء المضاربة سلعًا عينية، فيجوز بيعها بنقود معجلة سواء أقلّ من قيمتها أو أكثر أو مساوية، لأن ذلك من قبيل بيع الأعيان وهي الحصة الشائعة في وعاء المضاربة بالنقود المعجلة، وهذا جائز. لعدم انطوائه على شيء من الغرر أو شبهة الربا.

الحالة الثانية: إذا كان وعاء المضاربة ديون مرابحات مؤجلة، وفي هذه الحالة لا يجوز توريق هذه الديون بنقود معجلة اقلّ من مقدار الديون المؤخرة. فحكم هذه الحالة هو حكم توريق الدين النقدي.

الحالة الثالثة: إذا كان وعاء المضاربة خليطًا من سلع عينية وديون مرابحات مؤجلة، ونظرًا لأنه قد تكون للسلع أكثر من ديون المرابحات المؤجلة، أو العكس يجب التفرقة بين هاتين الصورتين:

الصورة الأولى: إذا كانت الأعيان أو السلع أكثر من قيمة الدين، ففي هذه الحالة يجوز بيع أو توريق الأسهم التي تمثل هذه السلع وهذه الديون. لأن للأكثر حكم الكل ويغتفر في التوابع مالا يغتفر في غيرها.

الصورة الثانية: إذا كانت ديون المرابحات أكثر من قيمة السلع. فلا يجوز توريق مثل هذه الديون. إذ الأقل لا يزاحم الأكثر، ولأن إقامة الأكثر مقام الكل أصل في الشرع.

(1) انظر: الموطأ للإمام مالك 2/ 499

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت