فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 12

ويجاب على أدلة القائلين بالمنع بما يأتي:

إن التعليل من منع عملية التورق أو كرهها بكون المقصود منها هو النقد، لا يصلح أن يكون ذلك سبباُ للتحريم أو الكراهة، لأن مقصود التجار غالبا في المعاملات هو تحصيل نقود أكثر بنقود أقل والسلع المباعة هي الوسيلة لهذا الغرض.

كما أن نية العاقد لا أثر لها، فالنوايا لا يعلمها إلا الله عز وجل، فيحرم البيع إذا لم تتحقق الصورة الشرعية ويجوز بتحققها، يشهد لذلك ما ورد في صحيحي البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر فجاءه بتمر جنيب (والجنيب هو الطيب والجمع هو الرديء) فقال له أكل تمر خيبر هكذا؟ قال يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة، فقال له عليه الصلاة والسلام: لا تفعل بع الجمع ثم ابتع بالدراهم جنيبًا. إذ أن مبادلة التمر بالتمر يشترط فيها التساوي لأن التمر من الأموال الربوية التي وردت في حديث الأصناف الستة. ففي الخبر دليلٌ على تغيير صورة العقد من الحرمة إلى الحل، مع أن الغرض والقصد في كلتا الحالتين واحد.

من هنا يترجح لنا رأي القائلين بالجواز. والله أعلم

حكم التورق المصرفي المنظم:

ذكرنا فيما سبق أن السلعة في التورق المنظم لا يتم قبضها من قبل العميل الراغب في الشراء ولا من قبل البنك أحيانًا. فربما يقوم العميل بتوكيل البنك مسبقًا بشراء السلعة وبيعها نيابة عنه قبل أن تتم الصفقة بينه وبين البنك، وأحيانا يخول البنك الجهة البائعة للسلعة ببيعها لصالح العميل وقبض ثمنها وتسليمه إليه.

والأغلب كما ذكرنا فيما مضى أن التورق المنظم يجري في السلع الدولية كالمعادن وقد يكون في السلع المحلية كالحديد والأرز والمكيفات والسيارات وغيرها. وقد ذهبت أكثر المجامع الفقهية وهيئات الرقابة الشرعية إلى تحريم هذا النوع من التورق، معللين ذلك بما يأتي:

1 -إن العقد المذكور من العقود التي تنضوي تحت الربا، فالعميل لم يقبض من البنك إلا نقودًا، ومن ثمّ يرد تلك النقود بعد أجل بزيادة، فحقيقة المعاملة، قرض من البنك للعميل بفائدة، والسلعة المسماة في العقد جيء بها لإضفاء صفة الشرعية على العقد. ولهذا فإن العميل لا يرى السلعة ولا يعلم حقيقتها ولا يساوم في بيعها، لأنها غير المقصودة أصلاَ، وإنما المقصود من المعاملة هو النقود، ويقتصر دور العميل على التوقيع على أوراق يزعم فيها أنه ملك السلعة ثم بيعت لصالحه ومن ثمّ أودع ثمنها في حسابه.

2 -إن هذا العقد يؤدي إلى العينة الثلاثية وهي محرمة، ففي السلع المحلية كالسيارات مثلا، يشتري البنك السيارة من المعرض ثم يبيعها على العميل بالأجل ثم يوكل العميل المعرض ببيعها ثم يبيعها المعرض على البنك وبعد ذلك يقوم البنك ببيعها على عميل آخر، وهكذا تدور أوراق السيارات مرات عديدة بين البنك والعميل والمعرض، والسيارة ما تزال في مكانها لم تتحرك. مما يؤكد أن المعاملة هي عبارة عن مبادلة مال بمال وإن السلعة أدخلت حيلة.

3 -إن كلًا من البنك والعميل يبيع السلعة قبل قبضها، وفي حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه مرفوعًا"ابن أخي إذا ابتعت شيئًا فلا تبعه حتى تقبضه [1] "وقبض صورة من شهادة الحيازة للمعدن أو صورة من البطاقة الجمركية للسيارة لا يكفي في تحقيق القبض الشرعي، لأن الصورة لا تعد وثيقة بالتملك، بل المشاهد أن المعرض الذي يتعامل مع البنوك في التورق المنظم يبيع السيارة الواحدة في وقت واحد لعدة بنوك، دون أن يحصل القبض المطلوب شرعًا. وتوكيل البنك أو المورد الأول بالقبض لا

(1) رواه الإمام أحمد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت