فإنّ مقولة الحرية في مبدئها وتطوّراتها في ثقافة الغرب كانت مقولة وضعية لا صلة لها بالدين، وإنما هي من محض التقرير العقلي، ومصدر الإلزام فيها لا علاقة له بالمقدّس الديني، وإنما هو مصدر فلسفي اجتماعي وربما كان أخلاقيا أحيانا.
إلاّ أنّ الفكر الغربي بصفة عامّة لئن كان في تشكّله الفلسفي بما في ذلك ما يتعلّق بالحرية هو وليد العصر الحديث الذي عُرف في الثقافة الغربية بعصر التنوير، ومن هذا العصر وأحداثه تشكّلت أسسه الكبرى، فهو غير مقطوع الصلة بالفكر الفلسفي القديم متمثّلا بالأخصّ في الميراث اليوناني والروماني، بل هو ممتدّ في بعض جذوره إلى ذلك الميراث؛ ولهذا فإن الدارسين لهذا الفكر لا يغفلون في الغالب عن تتبّع هذه الجذور في سبيل فهمه الفهم الأقوم، ولا يبعد أن يكون للحرية كما انتهت إليه نظريتها وإجراءاتها فيه عرق يضرب على نحو أو آخر في ذلك الميراث القديم، وهو الأمر الذي لا ينبغي إهماله عند تقويم الحرية في هذا الفكر، فلعلّ بعض الملامح فيها تعود في مرجعيتها إليه.
لقد كان الفكر اليوناني مثقلا بالعبودية لآلهة متعددة من الطبيعة، وهو الأمر الذي كان له أثر في رسوخ فكرة العبودية الاجتماعية المتمثّلة في التشريع للرقّ على سبيل استحسانه ضرورة من ضرورات الحياة الجماعية، فالاسترقاق الذي هو النقيض الأكبر للحرية كان جزءا ثابتا من عناصر الفلسفة السياسية الاجتماعية في الفكر اليوناني، بل قد كان محلّ استدلال على حتميته وصلاحه من قِبل كبار الفلاسفة مثل أفلاطون وأرسطو، فقد اعتبر كلّ منهما الرقّ نظاما طبيعيا في حياة المجتمع، إذ في مشاهد الطبيعة كلّها تقابل بين الأعلى والأدنى، وأنّ الأدنى مسخّر لخدمة الأعلى، وهو ما ينبغي أن يصبح ساريا على الإنسان في تنظيمه الاجتماعي، فتكون طبقةٌ للعبيد تخدم طبقة الأحرار، وهما طبقتان محدّدتان على سبيل الطبع الذي لا يتغيّر [1] ، فقد كان إذن الخلل في التحرر الديني سببا في خلل على مستوى التحرر الاجتماعي، وكان لهذا الميراث تسرّب على نحو أو آخر إلى الفكر الغربي الحديث.
لقد كانت المجتمعات الأوروبية طيلة العصور الوسطى تعاني من استبداد فظيع مسلّط على رقاب الناس من قِبل جهتين تتواليان على قهر الشعوب وسلب حريتها، الكنيسة تسلب الحرية الدينية، والحكّام يسلبون الحريات العامّة السياسية والاجتماعية، وكان تزايد الضغط الاستبدادي من قِبل هاتين الجهتين على الشعوب الأوروبية التي بدأت تتنسّم طلائع الأنوار القادمة إليها من الحضارة الإسلامية، كان ذلك مستفزّا لها كي تنهض مطالبة بحريتها، فكان عليها أن تواجه هذين المصدرين من مصادر الاستبداد بثورات متتالية وصراعات متعاقبة كي تنال حريتها، وكان الصراع عنيفا داميا في كثير من مراحله، وهو ما لخّصته العبارة الشهيرة التي كان الناس يتناقلونها في خضمّ المواجهة، وهي تنادي الناس بأن «اشنقوا آخر حاكم بأمعاء آخر قسيس» .
وقد دامت هذه الهبّة الشعبية من أجل الحرية الدينية والسياسية زمنا ليس بالقصير لعلّها بامتدادها منذ ظهور إرهاصاتها إلى حصول نتائجها بلغت بضعة قرون، وقد احتضنتها من مبتدئها إلى منتهاها حركة فكرية تنظّر لها، وتوجّه مسارها، وتلخّص نتائجها تلخيصا فلسفيا، يقودها ويرعاها كبار مفكّري التنوير من الفلاسفة والأدباء، حتى انتهت إلى تشكيل الفكر الغربي الحديث، الذي تنزّلت الحرية الدينية فيه من خلال مقولة العلمانية التي تعني التحرر من الدين أن يكون له سلطان على الشأن الاجتماعي العام، وترك الحرية فيه للأفراد أن يكون شأنا شخصيا في الممارسة الروحية إيمانا قلبيا وشعائر تعبدية.
(1) راجع: يوسف كرم ـ تاريخ الفلسفة اليونانية: 265 (ط لجنة التأليف والترجمة والنشر مصر 1936)