جنس ولون ودين وغيرها، فالحرية كما جاء بها الإسلام هي من جميع هذه النواحي قيمة كبرى تحتلّ من سلّم المقاصد الدينية الدرجات العليا، وهي قيمة ثابتة تتّصف بالديمومة في الزمان والمكان.
ويبدو هذا الأمر أول ما يبدو في التشريع لحرية الاعتقاد، وتحريم الإكراه في الدين، فلئن جاء الإسلام يدعو الناس إلى الإيمان، ويرشدهم إلى طريق الهداية، ويبيّن لهم المنهج المؤدّي إلى ذلك، إلا أنّه جاء أيضا يشرّع للحرية في الاستجابة لهذه الدعوة أو الإعراض عنها مع تحمّل المسؤولية في كلّ من الخيارين، بل إنّ الاستجابة لدعوة الإيمان لا تكون في الميزان الإسلامي استجابة معتدّا بها إلا إذا كانت حاصلة بالنظر العقلي الحرّ، أما إذا كان الإيمان بالدين ناشئا عن إلجاء وراثي تقليدي على سبيل المثال فإنّه يُعتبر عند أكثر العلماء إيمانا ناقصا، وقد لا يُعتبر إيمانا أصلا عند البعض منهم، وما ذلك إلاّ لما للحرية من قيمة في تحصيل الاعتقاد، وهو ما جاءت فيه نصوص كثيرة، منها قوله تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} (الكهف/29) ، وقوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} (البقرة/256) ، وقوله تعالى: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} (يونس/99) ، فهذه الآيات وغيرها كثير تؤسّس بصفة قطعية لحرية المعتقد، سواء كان معتقدا دينيا أو فلسفيا أو فكريا عامّا.
ويلحق بحرية المعتقد بأنواعه حرية التعبير عنه بالأقوال، وحرية ممارسته أشكالا عملية في الواقع عبادة أو تصرّفات شخصية في خاصّة النفس، أو توافقات جماعية في أنماط الحياة، فقد جاء الإسلام يشرّع لهذه الحرية، ويجعلها حقا من حقوق الإنسان، ويؤثّم إهدارها والحيلولة دونها، بل والتقاعس دون ممارستها باعتبار أنّ أغلبها يندرج ضمن دائرة كونها حقا وواجبا في نفس الآن، وهو ما يقتضي أن تكون الممارسة لهذه الحقوق واجبا عباديا مشمولا بالجزاء ثوابا وعقابا، وهو وضع للحرية لم يرتق إليه أيّ دين أو مذهب غير الإسلام.
إن المرجعية المؤسسة للحرية الدينية في الإسلام، والموجهة لمساراتها، والضامنة لصيرورتها هي إذن مرجعية تضرب بجذورها في تعاليم الدين نفسه، فالدين هو المؤسس للحرية الدينية، تكليفا إيمانيا، وتفصيلا تشريعيا، فيكون الإخلال بها إخلالا بالدين في مقتضياته الإيمانية والتشريعية، وهي بذلك كله تكتسب وضعا من القوّة الذاتية تكون به ثابتة على مرّ الزمن، لا ينالها تبديل ولا تغيير ولا انتقاص، إذ الدين لا يناله شيء من ذلك، كما أنها تكتسب به قوّة نفسية في تحمّلها، إيمانا وسلوكا، إذ يعتبر ذلك التحمّل طاعة لله تعالى تقرّب منه، والإخلال بها عصيانا يبعّد منه.
ب ـ مرجعية الحرية في الفكر الغربي
من أهمّ المقولات التي قام عليها الفكر الغربي الحديث، والتي شكّلت الوعي الحضاري المعاصر مقولة الحرية، سواء في بعدها الفردي حرياتٍ شخصية، أو في بعدها الجماعي حرياتٍ عامة، والشعارات الكبرى للمذاهب الفلسفية، وللثورات الإصلاحية، وللانتفاضات الشعبية، وللتنظيمات الدولية، وللبرلمانات السياسية تكاد لا تخلو منذ أكثر من قرنين من الحرية عنصرا أساسيا من عناصرها، حتى غدت هذه الكلمة تكاد تكون المقوّم الأكبر من المقوّمات التي يُراد أن تُشكّل عليها الحياة الفردية والجماعية، ومن أهمّ عناصر هذه الحرية المحرّكة للوعي الحضاري الحرية الدينية.
وبما أنّ الفكر الغربي في عمومه قد نشأ وتطوّر خارج سياق الدين إن لم يكن نقيضا له، وبما أنّ الدين المسيحي الذي هو المحضن الجغرافي الذي نشأت فيه الفلسفة الغربية كانت صبغته العامّة صبغة روحية تنأى به عن أن يكون موجّها للحياة العامّة،