ب) ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتغطية الأواني للمحافظة على الماء وحمايته من التلوث، يدل على ذلك ما جاء عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وخَمِّروا آنيتكم) وفي رواية (وخَمِّروا الطَّعَام والشَّرَاب) [1] .
ج) ومن ذلك: النهي عن التنفس أو النفخ في الماء لما يمكن أن ينجم هذا النفخ من انتقال الجراثيم إلى الإناء المنفوخ فيه، يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا شَرِب أَحَدُكم فلا يَتَنَفَّسُ في الإناء) [2] .
د) ومن توجيهات النبوة في ذلك أنه عليه الصلاة والسلام عدَّ تلويث مصادر الماء مجلبة للعن، يدل على ذلك ما رواه معاذ بن جبل رضي عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اتَّقوا الملاعِنَ الثلاثَ: البُرَازُ في الموارِد، وقَارِعةُ الطَّريق، والظِّلُ) [3] .
إنَّ ترتيب اللَّعن على التبول في موارد المياه يدل على مدى التشدّد في أمر تلويث المياه وإفساده، بحيث استحق فاعل ذلك الطرد من رحمة الله.
(وفي هذا توجيه نبوي عظيم بأن تبقى موارد المياه - أي طرقه التي يجري فيها - نظيفةً، بعيدة عن الأذى، حتى لا يقع التلوث للماء إذ كان قد ذكر البُراز، فهو تنبيه إلى ضرورة إبعاد المجاري الصحيّة عن مجاري الماء، ويمكننا الاستفادة من هذا الحديث بوضع القوانين اللازمة المحافظة على مجاري المياه المتمثلة بمجاري الأنهار، والشلالات، والعيون، والينابيع، والقنوات المائية، والأفلاج، وكذلك الأوعية التي تكون مجرى للمياه في وقت من الأوقات، بحيث تبقى هذه الموارد المائية سليمة من الناحية البيئية، ويكون ذلك بصيانتها، وتغطيتها، والمحافظة على نظافتها، وعدم تحويل شيء من المكبّات الملوثة إليها، ثم إن فعل النبي صلى الله عليه وسلم يعالج هذه القضية من حيث ورد أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد قضاءَ حاجَتَهُ أبعدَ [4] ، فبُعدُه صلى الله عليه وسلم عن تجمعات الناس في قضاء حاجته يمثل تصوّرا وحلاّ لمشكلة الصرف الصحي التي يعاني منها المجتمع المعاصر، وهذا الحل يمثل بإبعاد مجاري الصرف الصحي إلى أمكنة نائية، بحيث لا يعود لها أثر سلبي على أي جانب من الجوانب البيئية المختلفة) [5] .
المبحث الثاني
النهي عن استنْزاف مصادر الماء
إنَّ الاستفادة المثلى من هذا المورد الحيوي يتطلب منهجا رشيدا في استعماله، والانتفاع به، وقد جاءت التوجيهات القرآنية لتمنع الإسراف في استعمال الماء، قال الله عز وجل: {وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [6] .
(1) رواه البخاري (5300) ، وفي (5938) ، ومسلم (2012) ، و (خمروا) -بفتح المعجمة وتشديد الميم- أي غطوها، ينظر: تحفة الأحوذي 8/ 118.
(2) رواه البخاري (152) من حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه، وقال السندي في حاشية سنن النسائي 1/ 43: قوله: (فلا يتنفس في الإناء) أي من غير إبانته عن الفم، وهذا نهى تأديب لإرادة المبالغة في النظافة إذ قد يخرج مع النفس بصاق أو مخاط أو بخار ردئ فيحصل للماء به رائحة كريهة، فيتقذر بها هو أو غيره عن شربه.
(3) رواه أبو داود (26) ، وابن ماجه (328) ، وإسناده حسن.
(4) رواه أبو داود (1) ، والترمذي (20) ، والنسائي (17) ، وابن ماجه (331) من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.
(5) ينظر: بحث (المنهج الإسلامي في حماية البيئة) للدكتور محمد عيد الصاحب ص 482.
(6) سورة الأعراف، الآية: 31.