فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 26

المتورق في المصرفي بالفاسد ونيته بالسيئة، لأنه قد يقول قائل ـ وقد قيل [1] ـ إن القصد من التورق المصرفي ليس فاسدا، لأن القصد هو تجنب الربا وليس الوقوع فيه، وهو ما يثير قضية تحديد صحة العمل من فساده، وهل هي النية القلبية وإن كان ظاهر العمل مخالفا للشرع؟ أم النية وظاهر العمل؟.

لاشك أن القصد القلبي لا يكفي وحده لقبول العمل، وإنما العبرة بظاهر العمل الموافق لمصقود الشرع، ويؤيد هذا قول عمر ابن الخطاب رضي الله عنه:"إن أناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرًا أمناه وقربناه، وليس إلينا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال: إن سريرته حسنة" [2] .

كما يؤيده تعليق شيخ الإسلام ابن تيمية على مثل هذه المسألة من خلال تعليقه على مسألة الذرائع وارتباطها بالعينة بقوله:"الذرائع حرمها الله، وإن لم يقصد بها المحرم خشية إفضائها إلى المحرم، فإذا قصد بالشيء نفس المحرم كان أولى بالتحريم من الذرائع، وبهذا التحريم يظهر علة التحريم في مسائل العينة، فسد هذا الباب لئلا يتخذه الناس ذريعة إلى الربا، وهو يقول لم أقصد به كذا" [3] .

وكذا تقرير الشاطبي عندما بحث عين المسألة في القسم الثاني من المقاصد في المسألة الرابعة:"في حكم من قصد المخالفة فواقق في العمل، أو قصد الموافقه فخالف"حيث قسمه إلى أربعة أقسام قال في القسم الرابع:"أن يكون الفعل أو الترك مخالفا والقصد موافقا فهو ضربان:"

أحدهما أن يكون مع العلم بالمخالفة والآخر: أن يكون مع الجهل بالمخالفة. فإن كان مع العلم بالمخالفة فهذا هو الإبتداع، كإنشاء العبادات المستأنفة والزيادات على ما شرع، ولكن الغالب أن لا يتجرأ عليه إلا بنوع تأويل، ومع ذلك فهو مذموم حسبما جاء في القرآن والسنة .... والثاني: كون العمل مخالفا، فإن قصد الشرع بالأمر والنهي الإمتثال، فإذا لم يمتثل فقد خولف قصده، ولا يعارض المخالفةَ موافقهُ القصد الباعث على العمل، لأنه لم يحصل قصد الشارع في ذلك العمل على وجه، ولا طابق القصد العمل، فصار المجموع مخالفا كما لو خالف فيهما معا فلا يحصل الإمتثال"واستدل على الإستدلال بأهمية القصد بقوله صلى الله عليه وسلم"إنما الأعمال بالنيات" [4] ، بشرط عدم معارضته لقصد الشارع مستدلا بقوله صلى الله عليه وسلم:"من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" [5] "

ومع كل ما تم بيانه في الذرائع، وتوجيه الخلاف فيها عند الشافعي وابن حزم فيما إذا لم يظهر قصد المتذرع ونيته وهو ما لا ينطبق على التورق المصرفي، تبقى

(1) يقول الدكتور محمد العلي القري:". .. لا يكون التورق ولا غيره حيلة إلا إذا نوى فيه التوصل إلى ممنوع. لأن أصل الحيل كما ذكره (ابن تيمية) رحمه الله راجع إلى النية. فانظر إلى أمر التورق من المصارف اليوم. لا ريب أن هذا المتورق اليوم ليس نيته ارتكاب الحرام، بل العكس من ذلك تماما، إذ، إن نيته ومقصده هو اجتناب الحرام. ولو كان أراد الحرام ما احتاج إلى حيلة إليه، إذ إن أبوابه مشروعة في البنوك على صفة القرض، بل هو أقل كلفة ونفقة من التورق، وإنما تركه وأخذ بالتورق لاجتناب الحرام، فإن قيل: ولكن ليس غرضه السلعة، وإنما غرضه ثمنها ومن هنا كانت الحيلة، فالجواب أن مثل هذا لا يؤثر، لأنه غرض مشروع"انظر، بحث محمد العلي القري: التطبيقات المصرفية للتورق ومدى شرعيتها ودوها الإيجابي. حولية دله البركة العدد الخامس أكتوبر 2003، ص99.

(2) الحديث أخرجه البخاري في كتاب الشهادات. انظر، صحيح البخاري (الرياض، دار السلام للنشر والتوزيع، ط2، 2000م) رقم2641.

(3) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 29، ص446.

(4) الحديث أخرجه البخاري في باب: كيف كان بدء الوحي حديث رقم 1.

(5) الحديث أخرجه متفق عليه، وانظر، الشاطبي: الموافقات في أصول الشريعة، ج2، ص500ـ 503.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت