باعه إياه لأنه باعه حلالا، وقد يمكن أن لا يجعله خمرا أبدا، وفى صاحب السيف أن لا يقتل به أحدا أبدا، وكما أفسد نكاح المتعة. ولو نكح رجل امرأة عقدا صحيحا وهو ينوى أن لا يمسكها إلا يوما أو أقل أو أكثر لم أفسد النكاح إنما أفسده أبدا بالعقد الفاسد ( ) فإذا اشترى الرجل من الرجل السلعة فقبضها وكان الثمن إلى أجل فلا بأس أن يبتاعها من الذى اشتراها منه ومن غير بنقد أقل أو أكثر مما اشتراها به أو بدين كذلك أو عرض من العروض ساوى العرض ما شاء أن يساوى، وليست البيعة الثانية من البيعة الاولى بسبيل، ألا ترى أنه كان للمشترى البيعة الاولى إن كانت أمة أن يصيبها أو يهبها أو يعتقها أو يبيعها ممن شاء غير بيعه بأقل أو أكثر مما اشتراها به نسيئة؟ فإذا كان هكذا فمن حرمها على الذى اشتراها؟ وكيف يتوهم أحد؟ وهذا إنما تملكها ملكا جديدا بثمن لها لا بالدنانير المتأخرة؟" [1] ،"
فالشافعي يحرم العينة ديانة إذا لم تظهر نية صاحب العينة الفاسدة، ولا يحرمه قضاء أي لا يفسد العقد، أما إذا ظهرت نية صاحب العينة باشتراط عود السلعة للبائع الأول فيحرمها ديانة وقضاء ..
ومثله مذهب الظاهرية في موافقة الشافعي، وهو ما نص عليه ابن حزم بقوله:"ومن باع سلعة بثمن مسمى حالة أو إلى أجل مسمى قريبا أو بعيدا، فله أن يبتاع تلك السلعة من الذى باعها منه بثمن مثل الذى باعها به منه وبأكثر منه وبأقل حالا والى أجل مسمى أقرب من الذى باعها منه إليه أو أبعد ومثله، كل ذلك حلال لا كراهية في شئ منه ما لم يكن ذلك عن شرط مذكور في نفس العقد فان كان عن شرط فهو حرام مفسوخ أبدا محكوم فيه بحكم الغصب وهو قول الشافعي" [2]
وعليه فإن محل النزاع في المسألة الثالثة والرابعة من الذرائع هو فيما إذا لم يظهر قصد الممنوع في الوسيلة المباحة، لأن نص الشافعي لاسيما في مثال الأمة، ونص ابن حزم، يبين بوضوح أن القصد الحرام إذا ظهر من خلال شرط فاسد، أو تيقن من قصد الحرام، فإنهما يقولان بسد الذرائع، ويفسدان العقد، ويؤيد هذا التوجيه مذهب الشافعي في عد استخدام القاتل وسيلة معدة للقتل كالسلاح أو آلة تقتل غالبا قرينة على العمدية، وأن القتل يعد قتلا عمدا وإن ادعى صاحبه عدم العمد [3] ، وومذهب بعض أعلام المذهب الشافعي من أمثال الشيخ أبي إسحاق الشيرازي وأبي محمد في منع العينة إذا ظهرت قرائن القصد السيء، كأن تصير العينة عادة للمتعامل بها، وكذا قول ابن حزم فيما إذا تيقنت ذرائع السوء في العمل:"مسألة ولا يحل بيع شئ ممن يوقن أنه يعصى الله به أو فيه، وهو مفسوخ أبدا، كبيع كل شئ ينبذ أو يعصر ممن يوقن أنه يعمله خمرا، وكبيع الدراهم الرديئة ممن يوقن أنه يدلس بها. وكبيع الغلمان ممن يوقن أنه يفسق بهم أو يخصيهم. وكبيع المملوك ممن يوقن انه يسئ ملكته. أو كبيع السلاح أو الخيل ممن يوقن أنه يعدو بها على المسلمين أو كبيع الحرير ممن يوقن أنه يلبسه وهكذا في كل شئ لقول الله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) والبيوع التى ذكرنا تعاون ظاهر على الاثم والعدوان بلا تطويل وفسخها تعاون على البر والتقوى" [4] .
ومع وضوح محل النزاع في موضوع الذرائع، يتضح في نظر الباحث رجحان خروج التورق المنظم من دائرة الخلاف في الذرائع، كون نية المتعاقدين ليست ظاهرة فقط، بل هي منصوص عليها في العقد، ومع هذا يظل الإشكال قائما في الحكم على قصد
(1) الشافعي: الأم، ج3، ص90.
(2) ابن حزم: المحلى بالآثار، ج7، ص549.
(3) يقول الشافعي في الأم:" (قال الشافعي) وإذا ضرب الرجل الرجل عليه البيضة والدرع فقتله بعد قطع جنته أقيد منه، وإن قال لم أرد إلا البيضة والدرع لم يصدق إذا كان عليه سلاح فهو كبدنه"، انظر، الشافعي: الأم، ج6، ص90.
(4) ابن حزم: المحلى بالآثار، ج7، ص522.