2)ذريعة أو وسيلة موضوعة للمباح لم يقصد بها التوسل إلى المفسدة، لكنها قد تفضي إليه إلا أن مصلحتها أرجح من مفسدتها وأمثلة هذا: النظر إلى المخطوبة، وكلمة الحق عند السلطان الجائر.
3)ذريعة أو وسيلة موضوعة للمباح قصد منها التوسل إلى لمفسدة كمن يعقد النكاح قاصدا التحليل أو يعقد البيع قاصدا به الربا.
4)ذريعة أو وسيلة موضوعة للمباح لم يقصد منها التوسل إلى مفسدة لكنها مفضية إليه غالبا، ومفسدتها أرجح من مصلحتها، وأمثلة هذا: سب آلهة المشركين، وتزين المتوفى عنها زوجها في العدة. [1]
الفرع الثاني
تحرير محل النزاع في الذرائع
إن نزاع العلماء في الذرائع في المسألة الثالثة والرابعة، لأنهم اتفقوا على منع القسم الأول وإباحة القسم الثاني، واختلفوا في القسم الثالث والرابع، فذهب المالكية والحنابلة إلى أنه ينبغي أن تسد مثل هذه الذرائع لأن إباحتها تؤدي إلى التحلل من قصد التشريع، وذهب الشافعي وابن حزم الظاهري إلى التفريق بين ظهور قصد المفسدة في العقود من عدمه، فإذا ظهر قصد الحرام والمفسدة في العقود كقصد الربا، فإن الشافعي وابن حزم لا يجيزاه بحال. وقد نبه الشاطبي إلى هذا لمعنى بقوله:"فلا يصح أن يقول الشافعي إنه يجوز التذرع إلى الربا بحال، إلا أنه لا يتهم من لم يظهر منه قصد إلى الممنوع، ومالك يتهم بسبب ظهور فعل اللغو (في البيعة المتوسطة) وهو دال على القصد إلى الممنوع، فقد ظهر إلى أن قاعدة الذرائع متفق على اعتبارها في الجملة، وإنما الخلاف في أمر آخر (المناظ الذي يتحقق في التذرع) " [2] فبين أن الخلاف في الذرائع ليس في أصل حكمها، وإنما في تحقيق مناطها، وعليه يكون نص القرافي في قوله:"ليس سد الذرائع من خواص مذهب مالك كما يتوهمه كثير من المالكية ... بل قال بها أكثر من غيره، وأصل سدها مجمع عليه" [3] صحيحا في عمل جميع المذاهب بالذرائع، واختلافهم في مناط الذرائع.
والدليل على أن الخلاف في مناط التحقق من الذرائع الفاسدة لا أصل حكمها نص واضح للشافعي وابن حزم في اشتراط تيقن ذريعته للحرام لإفساد العقد. يقول الشافعي:"أصل ما أذهب إليه أن كل عقد كان صحيحا في الظاهر لم أبطله بتهمة ولا بعادة بين المتبايعين وأجزته بصحة الظاهر وأكره [4] لهما النية إذا كانت النية لو أظهرت كانت تفسد البيع، وكما أكره للرجل أن يشترى السيف على أن يقتل به ولا يحرم على بائعه أن يبيعه ممن يراه (بمعنى يظنه) أنه يقتل به ظلما، لأنه قد لا يقتل به ولا أفسد عليه هذا البيع، وكما أكره للرجل أن يبيع العنب ممن يراه أنه يعصره خمرا ولا أفسد البيع إذا"
(1) انظر، ابن قيم الجوزية: أعلام الموقعين عن رب العالمين، ص559.
(2) أبو إسحاق الشاطبي: الموافقات في أصول الشريعة، ج4، ص435، 436.
(3) شهاب الدين القرافي: شرح تنقيح الفصول، (القاهرة، مكتبة الكليات الأزهرية، ط1993م) ، ص200.
(4) قال الزركشي الشافعي:"ويطلق المكروه على أربعة أمور: أحدها: الحرام , ومنه قوله تعالى {كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها} أي محرما، ووقع ذلك في عبارة الشافعي ومالك. ومنه قول الشافعي في باب الآنية: وأكره آنية العاج، وفي باب السلم: وأكره اشتراط الأعجف والمشوي والمطبوخ ; لأن الأعجف معيب , وشرط المعيب مفسد. قال الصيدلاني: وهو غالب في عبارة المتقدمين كراهة أن يتناولهم قوله تعالى: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام} فكرهوا إطلاق لفظ التحريم. البحر المحيط في أصول الفقه، (الكويت، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ط2، 1992م) ، ج1، ص296."