إذا شاهده فقد علمه بالرؤية، وهي أعلى طرق العلم ومن علم شيئا علم جزأه المشاع، فيكون أجرا معلوما". [1] "
لكن قال العلامة البهوتي رحمه الله:" (ولا) يصح استئجاره على (طحن كر) مكيل بالعراق (بقفيز منه) أي المطحون لحديث الدار قطني مرفوعا: أنه نهى عن عسب الفحل وعن قفيز الطحان، ولأنه جعل له بعض معموله أجرا لعمله فيصير الطحن مستحقا له وعليه، ولأن الباقي بعد القفيز مطحونا لايدرى كم هو؟ فتكون المنفعة مجهولة. وتقدم لو استأجره بجزء مشاع منه كسدسه، يصح". [2]
وهذا يدل على أن الحنابلة في مسألة قفيز الطحان على قولين، وماذكره البهوتي مبنيّ على ماذكره ابن قدامة عن ابن عقيل، ولكن صحح ابن قدامة خلافه، وهو الجواز، وقد ذكر البهوتي وجهين لعدم الجواز، الأول أن علة المنع جعل بعض معموله له أجرا لعمله، وهي العلة التي ذكرها الحنفية والشافعية، ولكن لو سلم كونه علة للمنع فينبغي أن يطرد ذلك في طحنه بجزء مشاع أيضا، كما تقدم عن بدائع الصنائع، ولكن ذكر البهوتي أنه جائز مما يدل على أن ذلك ليس علة مطردة عند الحنابلة، والوجه الثاني الذي ذكره البهوتي وهو الجهالة، فإنما ينطبق فيما إذا لم يعرف كيل جملة الطحن، أما إذا عرف ذلك فلا، وذلك يدل على أن علة المنع هي الجهالة، فيجوز إذا ارتفعت الجهالة بصورة من الصور وهو عين مارجحه ابن قدامة وذهب إليه المالكية.
وبالجملة، فالذي يظهر من راجح مذهب المالكية والحنابلة أن مجرد كون الأجرة من عمل الأجير لايصلح علة لعدم الجواز عندهم، وإنما يتوجه المنع إذا كان ذلك يؤدى إلى جهالة في الأجرة، فلعلهم لم يثبت عندهم حديث النهي عن قفيز الطحان، أو حملوه على مايؤدي إلى الجهالة إما في الأجرة، أو فيما يبقى من المطحون بعد دفع الأجرة.
وهناك ناحية أخرى في هذا الموضوع، وهي أن الحنفية وإن لم يجيزوا قفيز الطحان في أصل مذهبهم، وقاسوا على ذلك الغزل ببعض المنسوج وعدة صور أخرى مما تكون فيه الأجرة من عمل الأجير، ولكن اختار مشايخ بلخ جواز الغزل ببعض المنسوج وصور أخرى، سوى مسألة الطحن، وذلك على أساس العرف والتعامل والحاجة، وقالوا: إن العرف والتعامل مما يترك به القياس، وقد شرح ذلك العلامة ابن عابدين رحمه الله تعالى في شرح عقود رسم المفتي حيث قال:"قال في الذخيرة في الفصل الثامن من الإجارات في مسئلة ما لو دفع إلى حائك غزلا لينسجه بالثلث ومشايخ بلخ كنصير بن يحي و محمد بن سلمة و غيرهما كانوا يجيزون هذه الإجارة في الثياب لتعامل أهل بلدهم في الثياب، والتعامل حجة يترك به القياس ويخص به الأثر، وتجويز هذه الإجارة في الثياب للتعامل بمعنى تخصيص النص الذي ورد في قفيز الطحان أن النص ورد في قفيز الطحان، لا في الحائك، إلا أن الحائك نظيره، فيكون واردا فيه دلالة، فمتى تركنا العمل بدلالة هذا النص في الحائك وعملنا بقفيز الطحان كان تخصيصا لا تركا أصلا، وتخصيص النص بالتعامل جائز. ألاترى أنا جوزنا الاستصناع للتعامل، والاستصناع بيع ماليس عنده، وإنه منهي عنه، وتجويز الاستصناع بالتعامل تخصيص منا للنص الذي ورد في النهي عن بيع ماليس عند الإنسان، لاترك النص أصلا، لأنّا عملنا بالنص في غير الاستصناع الخ". [3]
وبما ذكرنا في مسئلة قفيز الطحان في الصفحات الماضية اتضحت النقاط الآتية:
(1) المغنى لابن قدامة كتاب الإجارة ج:6 ص:72.
(2) شرح منتهى الإرادات للبهوتي ج:2 ص:354، كتاب الإجارة طبع دارالفكر.
(3) شرح عقود رسم المفتي ص:40 طبع كراتشي