ولا شك أن باعث هذا التغير في موقف هؤلاء الأفاضل: اشتباه في المسألة. فالقناعة تامة بأنهم محبون للخير، متبعون للدليل، لكن الخلاف فيها غرّهم، فظنوا صحة مذهب الكشف، وربما رجحوه، ومحل الخلل: عدم تحرير المسألة بدقة. وهذا ما لوحظ على أصحاب هذا الاتجاه، والشبهة إن أتت من نص شرعي، فلا تزال إلا بنص واستدلال شرعي، ومجرد الخلاف لا يسوغ الانتقاء، إذ ليس كل خلاف سائغ، بل ثمة خلاف مردود. والواضح أن النصوص المستدل بها على جواز الكشف، ليست من القوة بحيث ترجح على نصوص الموجبة للتغطية، ففي القرآن ثلاث آيات، هي آيات الحجاب، وهن قوله تعالى:
- { وإذا سألتموهن متاعا فسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن} .
- {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن} .
- {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} .
هذه الآيات كلها تدل دلالة محكمة على وجوب غطاء الوجه، فإذا ثبت إحكامها، فكل ما عداها متشابه، يرد إليها، ومعلوم أن النصوص منها المحكم، ومنها المتشابه، فالمتشابه يرد إلى المحكم، هذا سبيل أهل الإيمان الراسخين في العلم، كما دل عليه قوله تعالى:
- {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب} .
والمتبعون المتشابه:
-منهم القاصد، وهذا الذي في قلبه زيغ، يبتغي الفتنة بالتأويل، وهذا الذي حذر منه القرآن.
-ومنهم الواقع فيه بالخطأ، فهذا له أجر الاجتهاد، دون أجر الإصابة.