فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 157

المتتابعة لتطوّر الطبقات وصراعها، وما يوازيها من مراحل على الصعيد السياسي. وبالطَّبع فإنّ جمع هويَّة جغرافية للعلم الغربي إلى هوية فكرية للعلم الماركسي لعلم السياسة، لا يُغطٍّي الحقل كلّه. ففي العالم الشرقي ثمّة لا شكّ انحصار بالماركسية (قبل البريسترويكا) إلاّ أنّ لدى الغرب ماركسياته أيضًا.

ثم إنّ هذا الوجود المتزامن والمتواقت لمدارس فكريّة مختلفة في علم السياسة على الساحة العربية -غربية وماركسية -لم ينتج عنه بعدُ فهمٌ متبادل ... فكلُّ عالِمُ سياسةٍ منّا درس في الغرب، ميّال إلى نفي كلِّ علم سياسةٍ شرقي بعلّة دوغمائية.

وكلّ عالم سياسة منّا درس في الشرق، ميالٌ قبليًا إلى نفي كلّ علم سياسةٍ غربيٍ بعلّة بورجوازيته.

ومن الطريف أنّ مصر عبد الناصر، بتوجهاتها المعروفة، كانت غربيّة في علم سياستها كما كان يدرّسُ في جامعاتها، وأنْ سورية البعث بتوجهّاتها المعروفة، ما تزال إلى مدى كبير غربيّة في علومها الاجتماعية كما تُدرَّسُ في جامعاتها، رغم هيمنة الفكر القومي بوسائل تعبيره الكثيرة على الجوّ الأكاديمي العام ... كذلك لا بد من أنْ أذكر أن محاولات جديّة جرت في السنوات الأخيرة، وما تزال تجري، أدخلت بها إلى العلوم الاجتماعية في الجامعات السوريّة المفرداتَ الماركسيّة.

في الساحة العربية لعلم السياسة ثمة إذن تبعية لتيارات غربية بشقّيها أوربية وأمريكية، تترك بصماتها واضحة على أدبيّاتنا. وليس هذا الوضع بالفريد في مجال دراساتنا الأكاديمية عامة، كما أنَّه ليس بالوضع الذي لا يمكن فهمه. إلاّ أنّ في الاستمرار فيه خطأ وخطرًا ما بعدهما خطأ وخطر.

أ-فأمّا الخطأ: فعلميُّ، ووجه الخطأ فيه واضح؛ ذلك أنّ العلوم الاجتماعية، ولا سيمّا علم السياسة، إنّما هي علوم مجتمعات معينة، أو على الأقلّ علومٌ تتأثر بمجتمعات معَّينة هي المجتمعات التي انبثقت عنها، وما فيها من كليّة أي شُموليَّة، إنّما هي كليّة محدودة بموقع العالِم في مجتمعه في العالم.

ب-وأمّا الخطر: فقومي. إذ يصبح اختصاصُّينا (مُغرِّبًا) عن مشاكل أمته. أسيرًا لأطر تفكيرٍ مفروضة عليه، ضمن ظروف معاشية مفروضة عليه.

وقد أحسن وصف هذا الخطر القومي الدكتور جلال أحمد أمين في كتابه (المشرق العربي والغرب) ويمكن الرجوع إلى تفصيل جميل لهذه الفكرة في ذلك الكتاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت