فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 157

الاجتماعية -سواء في العالم الغربي أو العالم الشرقي- هي أنّ علم السياسة الذي تلقوه؛ إنّما هو علم سياسة المجتمعات التي درسوا ذلك العلم فيها، وليس علمًا شموليًا كما يراد لهم أنْ يؤمنوا -وذلك- مجاراة منهم لإيمان معلِّميهم"."

1 -ويضرب المؤلف جبور أمثلة حيّة على ذلك توضيحًا لهذه المقولة فيقول:"ولنأخذ مثلًا بسيطًا أوليًا من القانون الدولي: كان لهولندا مصلحة معينة في تنظيمات خاصة لقانون البحار، وفي ترتيب المصالح المتضاربة بين الدول، وكانت القوة هي المعيار ... ثم في فترة نُضج حضاري معيّن ينبثق من هذا النضج رجل مثل (غروشس) تحرّكه مصلحة بلاده، ويحركه الوعي العلمي الواسع، فيضع قانونًا دوليًا، أو بالأحرى مقالةً مطوّلة موثقة في قانون البحار ويكون لمصلحة هولندا في قانون البحار هذا نصيبٌ. وإذْ أنّ لهولندا قوتها العسكرية كما لها مؤسساتها العلمية، فهي بقوتها تدافع عمّا تراه حقوقها البحرية، وهي بمؤسّساتها العلمية تكرّس (غروشس) أبًا للقانون الدولي -وتكرس بالتالي- غيره تلاميذ له يدرُسون عليه، وتزيد بالعلم دعمها لحقوق بحرية لها، لدى تلاميذ غروشس هؤلاء، بعد أن تُقنعهم بحياد العلم لأنّه شمولي، وحياد القانون الدولي -وهو أرسخ العلوم الاجتماعية وأكثرها اقترابًا ظاهريًا من الشمولية أمّا الدارس على غروشس فيصبح إيمانه الفعليُّ بمصلحة هولندا جزءًا من مقاربته الفكرية للقانون الدولي."

2 -وإذا أخذنا غروشس مثالًا من القرن السابع عشر، فلأنه يعدّ أبو القانون الدولي، كما تعلّم الدارسون في كُليّات الحقوق. فإذا كان لأحد أنْ يقول: لك كان في القرن السابع عشر، ثم تقدّم العلم، أو القانون، وأصبح أكثر موضوعية"فلأذكر أنّني -والكلام للدكتور جبور- كثيرًا ما قرأت بعناية الأعمال المشتركة الضخمة (دماك دوغال) و (لاسويل) من كليّة حقوق جامعة (ييل) الشهيرة في الولايات المتحدة الأمريكية، ويعرفها حتمًا كلّ من اختصّ منّا في العلوم الاجتماعية في أمريكا: لاكتشف أنّ المغزى العام لها هو محاولة المساواة بين سياسة أمريكا الخارجية وبين القانون الدولي: هذه تساوي ذاك وهذا يساوي تلك".

وبالطبع: تأخذ مسألة، هويّة العلم، أو قوميته، أبعادًا أدهى حين يغرق التلميذ من البلاد النامية، أو النائمة، في محاكاة المعلّم المتقدّم، فيصبح فهمُه له فهم التلميذ للمعلّم معيارًا للحضارة أي التقدّم، ويصبح في فهمه له متعصبًا لفكر المعلّم ومجتمعه إلى أبعد الحدود، حتى لكأنَّه يرى في هذا التعصب هويَّة له ضمن مجتمعه النامي الآخذ، وعلى نحوٍ كاريكاتوري عجيب يصبح المتعلّم فينا متعلّمًا، بقدر ما يهدر من حقوق بلده باسم الالتزام بالقانون الدولي مثلًا، أو العلوم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت