فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 268

إن الاسلام وقد خرج من الصحراء لم يعد إلى الصحراء، بل توجَّه إلى الجماهير الكبيرة في لغتها وعقليتها، وفي مدنها البحرية والنهرية، لأن الدين الموحى إلى النبي كان متلائمًا مع فهم تلك الجماهير، ذلك أنّه ليس بدعة ولا ثورة، إنّه يكمّل بصورة عالية بسيطة التراثات العروبية السابقة،وإن عقليات الشرق العربي المركبة المتنوعة ظاهريًا، قد كانت واحدة في جوهرها (13) ، الذي يلخصها في إيمان واحد حول وحدانية الله. فالقرآن يجمع ولايفرّق، ويقرر ذلك ولايناقشه، لأنه موجود على ساحة الواقع الموضوعي"إنه يقرر الخضوع لله الخالد الأزلي- الحاضر في الماضي كما هو في المستقبل، الواحد الثابت الدائم غير المخلوق، الموجود في كل مكان من الكون. وليس هذا بالتأكيد مفهومًا مولودًا في صدىً، في زاوية صحراء، ولكن من زبدة تأمل المخلوقات الكنعاني، والبعث المصري أو المسيحي، والأمل في رؤية مستقبلية، فالإسلام لم يفاجئ أحدًا أبدًا من شعوب الشرق، بل أنار من حولها، ما هو متغاير ومتمايز. ولم يكن هناك حاجة لسيف ولا لاضطهاد من أجل أن تعتنق هذه الشعوب دين الاسلام. لقد اقتادهم إلى الاسلام الميل إلى الإيمان المتوارث عن الأجداد. إن الاسلام لم يكن بحاجة إلى احتلال الشرق والمتوسط عسكريًا، حيث كانوا في وطنهم منذ أماد بعيدة" (14) فلتأتهم الأوامر من ممفيس أو صور أو بابل أو آشور أو دمشق أو بغداد أو القيروان أو مكة، لقد كانوا يعبّرون عمّا في نفوسهم باللغة نفسها، ويعبدون الآلهة نفسها، ويحكمهم موظفون من المقاطعات نفسها" (15) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت