ويبدو لي ان الباقولي قد لمس التباين بين النعت ومنعوته، فالمنعوت مؤنث والنعت مذكر لذلك اشار الى التطابق والفصل، وكأنه يريد أن يوضّح هذا التباين المباعد صلة الاتصاف بين اللفظين، ولذلك ذهب معربًا الحق خبرًا ثانيًا للولاية، [1] والقول بتعدد الخبر امر مختلف فيه اذا كان لمعانٍ مختلفة ومجازٌ إن كان بمعنىً واحد، [2] ولكن ابن جني قد اطلق الأخبار قائلا:"لك أن تأتي للمبتدأ من الأخبار بما شئت" [3] والباقولي في هذا في حِلٍّ من الحكمين، لان اللفظين المخبر بهما في معنى واحد، ويتبين أن الباقولي يريد ان يتجاوز أمرين هما:
-الخروج من الوصف بتأويلات خلافية متكلفة.
-إلتزام الظاهر لأن فيه مندوحةً عن ذلك ويُسْرًا.
وذهب العكبري - في حكم اخر- الى ان الحق مبتدأ وخبره ما في قوله ـ تعالى ـ (هو خير) ، [4] ولم يكتف بهذا بل قدم الأمر على تقدير آخر هو جعل الحق خبرًا مضمرًا وقدره تقديرين هما؛ هي الحق، أو هو الحق، [5] اما القول الاول فيستلزم وقفًا على لفظ (لله) ، والاستئناف من قوله (- سبحانه وتعالى -) : {الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ} ، [6] وهنا يمكننا التقدير لذلك الوجه، اما الوجه الآخر وهو تقدير المبتدأ فلا يلزم لأن في الاية ما يغني عن التقدير والإضمار، ولعلنا نتساءل فيما ورد عند العكبري، فهو من القائلين بالصفة في (الحق) وحينما جعله خبرًا قدره على ابتداء بضميرٍ مذكرٍ مرةً واخرى بمؤنثٍ، ولعله لمس ما في الحق الذي كان صفةً في الخفض وصفةً عند بعضهم في الرفع، ما فيه من تذكير، وما في منعوته، أي: الولاية من تأنيث، ولذلك قدر محتسبًا الأمرين، آخذًا بهما وتنصره قراءة ابن مسعود.
(1) ينظر: كشف المشكلات: 2/ 63، البيان للانباري: 2/ 110.
(2) ينظر: الكتاب: 1/ 258، المحتسب: 2/ 358، شرح الجمل لابن عصفور: 1/ 359 - 360، أوضح المسالك: 1/ 228، 230، ابن عقيل: 1/ 257 - 260، شفاء العليل: 1/ 298 - 299.
(3) المحتسب: 2/ 358.
(4) الكهف: 44.
(5) ينظر: إعراب القراءات الشواذ 2/ 20،التبيان للعكبري 2/ 849.
(6) الكهف: 44.