الصفحة 402 من 562

اسم الفاعل عن هذا فشابه الفعل معنى ولفظًا، ولذلك دل على الحدث وصاحبه وزمنه. وفي هذا تحقيق وتوثيق لقول الزمخشري اتفاقا مع قول النحويين ومع حقيقة الواقع اللغوي.

ويلمس القارئ في تناول النحويين للايات ان هنالك ما يشبه التحقيق والتفريق بين امرين هما، حدود القدرة الالهية التي تستغرق الأزمان فعلا، وحدود القدرة البشرية التي ترتهن بقيود الزمان ماضيًا وحالا واستقبالًا، فالفراء والزجاج يريان ان الآيات المماثلة لقوله (- سبحانه وتعالى -) : {انّ اللهَ بالغُ أمرِه} [1] قد تساوى فيها الامران الاضافة والتنوين، وكلاهما جيد وحسن، [2] وفي هذا دليل على أن هؤلاء قد استشعروا حقيقة هذا الامر - وان لم يصرحوا بها - فاعطوا الدلالة الزمنية الإطلاق في الآماد منذ الازل والى الابد، وأعتقد ان ما ذهبوا اليه هو التماس لهذا الوجه وليس سيرا في ركاب الكوفيين الذين يجيزون التنوين في اسم الفاعل لوجهي الزمن مضيًا واستقبالا، وما يؤكد هذا ماذهب اليه الفراء محققا القول صريحا بتمييز الاعمال خفضًا ونصبا للمضي والحال والاستقبال، مع اقراره اطلاق المدى الزمني ماضيا وحالا ومستقبلا، لما تعلق بالقدرة الالهية المستغرقة للازمان كلها .. وفي هذا دليل على عمق الفهم اللغوي والنحوي عند علماء العربية، واذا خالف بعضهم ـ فقط ـ في الاحكام النحوية المتصلة بتلك الآيات فهم يقصدون ما يتعلق بحقيقة الفكر النحوي في كون التنوين دالا على حال واستقبال، وكون الاضافة دالة على مضيٍّ فقط، هذا ما ذهب اليه النحاس والفارسي وابو زرعة والفخر والعكبري. فقد عدوا الاضافة في قوله (- سبحانه وتعالى -) : {إنّ اللهَ بالغُ أمرِه} ، [3] تخفيفًا أو هي في تقدير الانفصال، [4] وهذا يعني أنهم يقررون الاعمال للحال والاستقبال، وكما قلت فان هذا أخذ بالحقيقة النحوية المجردة، للعمل والزمن النحويين، وهم في حدود الحقيقة النحوية تلك مصيبون. ولكن الربط الدلالي للامر مع استكناه حقيقة الفعل الرباني تنفي ما قالوه، وتتحقق في قول السابقين بالاستغراق.

(1) الطلاق: 3.

(2) ينظر: معاني الفراء: 1/ 406، 3/ 153، 163، معاني الزجاج: 5/ 165، الفخر: 31/ 53.

(3) الطلاق: 3.

(4) ينظر: اعراب النحاس: 2/ 820، حجة الفارسي: 6/ 300، حجة أبي زرعة: 708، 712، مجمع البيان: 28/ 102، الفخر: 22/ 169، 29/ 314، إعراب القراءات الشواذ: 2/ 594، القرطبي: 4/ 298، 18/ 85.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت